علي بن أحمد المهائمي
590
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( وهذا هو علم الأذواق ) والذوق بالمعلوم مطلوب للعالم منا ، فكذا للحق ، وإن لم يؤثر فيه شيء ، فلا شكّ أنه يؤثر في صور ظهوره ، وهو عالم بما يكون فيها ، فيكون بذلك كأنه عالم بالذوق ، ( فجعل الحق نفسه ) مع تنزيهه عن أن يكون محلا للحوادث باعتبار استقرارها في مقر غيرها ، مع علمه في الأزل ( بما هو الأمر ) أي : أمر كل موجود ( عليه ) بطريق علم اليقين ( مستفيدا علما ) ، فهو وإن لم يتجدد في حقه علم لا بطريق الذوق ، ولا بطريق آخر قلناه على ما يعلم من ذوق صور ظهور ومظاهرة ، فجعلناه علما ذوقيّا في حقه ؛ وذلك لأنه ( لا يقدر على إنكار ما نص الحق عليه في حق نفسه ) ، فلابدّ من تأويله بهذا التأويل . وقد أشار الحق إلى هذا التأويل في تسمية العلمين ، ( ففرق تعالى ما بين علم الذوق ) فسماه اختبارا وابتلاء ، وسمى نفسه باعتباره خبيرا ( بالعلم المطلق ) وسماه علما ، وسمى نفسه عليما ، فالعلم المطلق لعدم توقفه على أمر حصل له بذاته ، والذوقي لتقييده توقف على حصول سببه ، وعلى صيرورة الحق كأنه ذلك السبب بظهوره فيه حتى كأنه عينه ، ( فعلم الذوق مقيد بالقوى ) إذ لا بدّ له من ذائق ، وليس سوى القوى المدركة بالاستقراء والوجدان ، فظهر فيها ليصير كأنه ذائق بما تذوقه القوى ، بل في صاحبها كأنه عينه ، وهو الذائق في الأصح ، ( وقد قال تعالى عن نفسه ) فيما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله : « ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولسانه الذي ينطق به » « 1 » . فكأنه قال : ( أنه عين قوى عبده ) في قوله : كنت ( سمعه ) ويده ، وهو وإن صار مجلي الحق وحتى كأنه عينه ( قوة من قوى العبد ) ، فيجوز كونه محلا للحوادث ، فيحدث فيه علم ذوقي ، وهو إن لم يكن محلا للمسموع ، فلا شكّ أن البصر محل لانطباع صورة المرئي ، وقد قال : ( وبصره ) ، وهو أيضا ( قوة من قوى العبد ) ، وهما إن لم يكونا ذائقين فلا شكّ في أن لسانه هو الذائق ، وقد قال : ( لسانه ، وهو عضو من أعضاء العبد ) ، وإن قلنا : لا ذوق فيه أيضا بل في العبد ، فقد قال : ( ورجله ويده ، فما اقتصر في التعريف ) أي : ظهور الحق بصور الخلق ( على القوى فحسب ، حتى ) لو لم تكن القوى ذائقة لم يكن الحق ذائقا بذوق العبد ؛ لأنه تجلى في جميع قواه وأعضائه . ( وليس العبد بغير هذه الأعضاء والقوى ) ، فسواء كانت الذائقة هي القوى والأعضاء ، أو العبد كان الحق كأنه ذائق بذوقها ، وإن لم يكن محلا للحوادث ؛ لأن الذائق في العبد إنما هو صورة الحق ، إذ قبل الوجود لا يمكن حصول شيء من هذه الأذواق ، ( فعين مسمى العبد ، وهو ) الوجود الظاهر في عينه ، إذ قبل ذلك ، وإن شئت عينه ؛ فلا
--> ( 1 ) سبق تخريجه .