علي بن أحمد المهائمي
591
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يسمى عبدا هو العبد باعتبار إشراق نوره فيه ، والعبد إنما يذوق ما يذوق بهذا المسمى ، فينسب إلى ( الحق لا عين العبد ) أي : حقيقته هو ( السيد ) ، فلا ينسب إلى الحق من العلم ، وما ينتسب إلى العبد من التأثير ( متميز بذاته ) ، فلابدّ من اعتبار التمييز في هذه النسب ، ومع ذلك ينسب إلى الحق العلم الذوقي ، وإن ضمن التأثير ، إذ ( ليس المنسوب إليه ) هذا العلم والذوق ، وهو الوجود الظاهر في عينه ( متميزا ) بحيث يكون ( ثمة ) للحق صورة وللعبد صورة أخرى ، فإنه ليس ثمة في مسمى العبد ، وهو المنسوب إليه العلم ، وذوقه شرب منه أي : ( عين ) الحق الظاهر فيه ( في جميع النسب ) من العلم والذوق وغيرهما . ( فهو ) أي : الحق ( عين واحدة ذات نسب ) له نسبة باعتبار وجوده ، ونسبة باعتبار ما ظهر فيه هو من العين الثابتة للعبد ، ( وإضافات ) تضاف إليه من حيث كونه صورة الحق أفعال العبد وتأثيراته ، ويضاف إليه من حيث كونه ظاهرا في عين العبد النقائص والانفصالات ، ( وصفات ) فله باعتبار استقراره في مقر عين صفات كاملة أزلية ، وباعتبار ظهوره في المظاهر صفات محدثة ناقصة ، فلما كان لهذا التتميم هذه الفوائد الجليلة . [ فمن تمام حكمة لقمان في تعليمه ابنه ما جاء به في هذه الآية من هذين الاسمين الإلهيّين ، لطيف خبير سمّى بهما اللّه تعالى ، فلو جعل ذلك في الكون وهو الوجود ؛ فقال : « كان » لكان أتمّ في الحكمة وأبلغ ، فحكى اللّه تعالى قول لقمان على المعنى كما قال لم يزد عليه شيئا ، وإن كان قوله : إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [ لقمان : 16 ] من قول اللّه فلما علم اللّه تعالى من لقمان أنّه لو نطق متمّما لتمّم بهذا ، وأمّا قوله : إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [ لقمان : 16 ] لمن هي له غذاء ، وليس إلّا الذّرّة المذكورة في قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] . فهي أصغر متغذّ والحبّة من الخردل أصغر غذاء ، ولو كان ثمّة أصغر لجاء به كما جاء بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً [ البقرة : 26 ] ، ثمّ لمّا علم أنّه ثمّ ما هو أصغر من البعوضة قال : فَما فَوْقَها [ البقرة : 26 ] يعني في الصّغر ، وهذا قول اللّه والّتي في « الزّلزلة » قول اللّه أيضا ، فاعلم ذلك فنحن نعلم أنّ اللّه تعالى ما اقتصر على وزن الذّرّة وثمّ ما هو أصغر منها ، فإنّه جاء بذلك على المبالغة ، واللّه أعلم « 1 » ] .
--> ( 1 ) المراد أنه لا أصغر منها مما يسمى باسم ويذكر به كما أشرنا إليه مطلقا ، وليس شيء مما يسمى باسم ويذكر به أصغر من الحبة والذرة بخلاف البعوضة ؛ فإن ما فوقها من الصغر هو النملة . ( شرح الجامي ص 456 ) .