علي بن أحمد المهائمي
586
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
[ وأمّا الحكمة المسكوت عنها ، وقد علمت بقرينة الحال ، فكونه سكت عن المؤتى إليه بتلك الحبّة ، فما ذكره وما قال لابنه يأت بها اللّه إليك ، ولا إلى غيرك ، فأرسل الإتيان عاما ، وجعل المؤتى به في السّموات إن كان ، أو في الأرض تنبيها لينظر النّاظر في قوله : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [ الأنعام : 3 ] ، فنبّه لقمان بما تكلّم به وبما سكت عنه أنّ الحقّ عين كلّ معلوم ، لأنّ المعلوم أعمّ من الشّيء فهو أنكر النّكرات ] . ( وأما الحكمة المسكوت عنها ) ، وهي الدلالة على توحيد وجود الكل بتضرر العامة سماعها بتوهم الإلهية ، وأن لهم ذلك مع دلالته على عدمهم في ذواتهم ، وإن وجودهم عند إشراق نور وجود الحق عليهم ، ومحل إشراق الشمس من المرآة لا تكون شمسا بالحقيقة مغنية للعالم كله ، وهو وإن سكت عنها ( علمت بقرينة الحال ) لكلامه مع كلام آخر له ، وللّه تعالى في موضع آخر ، ( فكونه سكت عن المؤتى إليه بتلك الحبة ) مع أنه لا بدّ منه ( فما ذكره ) على وجه العموم ، إذ يكون ناطقا بما يجب السكوت عنه ، ( ولا « 1 » قال لابنه : يأت بها اللّه إليك ، ولا ) قال : يأت بها اللّه ( إليّ غيرك ) ؛ لدلالته على الخصوص المنافي للمقصود . ( فأرسل الإتيان ) أي : أطلقها عن التقييد بالمفعول الخاص ؛ ليكون ( عامّا ) ، ولكن لم يصرح بهذا العموم ، وإن صرح بعموم المؤتى به ومكانه ، إذ ( جعل المؤتى به ) كل مثقال حبة ( في السماوات إن كان أو في الأرض ) ، مع أن حذف المكان أيضا يدل على عمومه ، لكن حذفه يدل على أن المقصود هو نفس العموم ؛ لأنه إذا حذف صار الذهن طالبا له ، ومن عادته أنه إذا وجد مطلوبه سكت إلا أن يجد داعيا آخر إلى طلب ما وراؤه والتصريح به لا يدل على ذلك ، فيمكن أن ينتقل الذهن منه إلى ما هو المقصود ، فصرح بعمومه ( تنبيها ) للخواص على أن عموم المكان ليس بمقصود ؛ ( لينظر الناظر ) منهم عند سماع قوله : فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ ( في قوله تعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ ) [ الأنعام : 3 ] . ثم ينتقل من هنا أن عموم المؤتى إليه أيضا ليس مقصودا لذاته ، وإنما المقصود منه ظهور الحق فيه بحيث يصير هو الآتي والمؤتى به ومكانه والمؤتى إليه جميعا ، ( فنبه لقمان بما تكلم به ) من نسبة إتيان كل ذرة إلى الحق ، ( وبما سكت عنه ) من كونه المؤتى إليه ، وقد تكلم بوجه دون وجه بكونه عين مكان المؤتى به ( أن الحق عين كل معلوم ) باعتبار
--> ( 1 ) هكذا في نسخة الشرح .