علي بن أحمد المهائمي

558

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الفصّ الإلياسي فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية « 1 » [ إلياس وهو إدريس عليه السّلام كان نبيّا قبل نوح عليه السّلام ، ورفعه اللّه مكانا عليا ، فهو في قلب الأفلاك ساكن وهو فلك الشّمس ، ثمّ بعث إلى قرية بعلبك ، وبعل اسم صنم ، وبك هو سلطان تلك القرية ، وكان هذا الصّنم المسمّى بعلا مخصوصا بالملك ، وكان إلياس الذي هو إدريس قد مثّل له انفلاق الجبل المسمّى لبنان من اللّبانة ، وهي الحاجة عن فرس من نار ، وجميع آلاته من نار ؛ فلمّا رآه ركب عليه فسقطت عنه الشّهوة ، فكان عقلا بلا شهوة ، فلم يبق له تعلّق بما تتعلّق به الأغراض النّفسيّة ، فكان الحقّ فيه منزّها ، فكان على النّصف من المعرفة باللّه ، فإنّ العقل إذا تجرّد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره ، كانت معرفته باللّه على التّنزيه لا على التّشبيه ، وإذا أعطاه اللّه المعرفة بالتّجلّي كملت معرفته باللّه ، فنزّه في موضع ، وشبّه في موضع ] . أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بإيناس الشخص بالعوالم مما يعطي من المناسبة معها ، ظهر ذلك العلم بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى إلياس عليه السّلام ؛ لتأنسه بالعالم السفلي أولا ، وبالعلوي ثانيا ، وبالجمع بينهما ثالثا ؛ ولذلك قال في دعوته : وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ [ الصافات : 125 ] ، وإليه الإشارة بقوله : ( إلياس وهو إدريس عليه السّلام ) ، كما يقال عن ابن مسعود ، وفي مصحفه : وإن إدريس لمن المرسلين بدليل قوله : وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الصافات : 123 ] ، وفيه أيضا : سلام على إدراسين بدل إِل‌ْياسِينَ [ الصافات : 130 ] ، وهو قول عكرمة « 2 » . قيل في رده : إن إدريس جد نوح بالاتفاق ، وإلياس من ذريته بدليل قوله تعالي : وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 )

--> ( 1 ) إنما خصت الكلمة الإلياسية بالحكمة الإيناسية ؛ لأنه عليه السّلام قد غلب عليه الروحانية والقوة الملكوتية حتى ناسب بها الملائكة وأنس بهم ، وقد آنسه اللّه بغلبة النورية بالطائفتين الملائكة والإنس ، وخالط الفريقين ، وكان منهما رفقاء يأنس بهم ، وبلغ من كمال الروحانية مبلغا لا يؤثر فيه الموت كالخضر وعيسى عليه السّلام ( شرح القاشاني ص 276 ) . ( 2 ) انظر : تفسير الطبري ( 21 / 104 ) ، وفتح القدير ( 6 / 215 ) .