علي بن أحمد المهائمي
559
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
[ الأنعام : 84 ، 85 ] . وقد قال الأكثرون : إنه إلياس بن بستي بن فنحاص بن العيزار بن هارون . قلنا : يجوز أن يعطف على « نوحا » ، وذكره في أثناء ذريته ؛ للإشعار بأنه صار في حكمهم بتأخره عند نزوله من السماء كعيسى لنبينا عليه السّلام ، فإنه من ذريته المعنوية ، ولعل الذي من أولاد هارون غيره ، فالمنة بهدايته على إبراهيم من جهة كونه جده ، ومن جهة كونه من ذريته المعنوية أيضا ( كان نبيّا قبل نوح عليه السّلام ) ، فكمل تأنسه بالعالم السفلي ( رفعه اللّه مكانا عليّا ) ؛ ليكمل تأنسه بالعالم العلوي ، والمكان العلوي بمكانة قلب الأفلاك كما مرّ . ( فهو ) وإن نزل بعده ( في قلب الأفلاك ساكن ) ، إذ لا ينزل نبي عن مكانته ، فكان هناك بروحانيته ، ثم جمع له بين التأنسين إذ ( بعث إلى قرية بعلبك ) المناسبة باسمها الجامع لجمعيته ، وذلك أن ( بعل هو اسم صنم ، وبك هو سلطان تلك القرية ) ، وإنما جمع في اسمها بينهما ؛ لأنه ( كان هذا الصنم المسمى بعلا مخصوصا بالملك ) لا يعبده إلا هراء ، وخواصه أضف إليه ، وإن كان علم شخص يجعله جنسا بتأويله بالمسمي بعلا ؛ ولذلك ذكره الشيخ - رحمه اللّه - ثم لما ضعف فيه أمر الإضافة لكونها على خلاف الظاهر ، جعل مركبا امتزاجيّا عند جعله علما للقرية ، ثم الصنم إشارة إلى العالم السفلي إذ كل ما فيه صورة لما في العالم العلوي ، والملك إشارة إلى العالم العلوي ، وكانت أنسب لجمعيته . ثم أشار إلى أنه ، وإن بلغ هذا المبلغ لم تكمل معرفته من كل وجه ، وإنما كملت معرفته التنزيهية إذ صارت جسمانيته التي تتعلق بها المعرفة التشبيهية روحانية نفيت له صور مثالية في هذا العالم فهو في قلب الأفلاك بروحه وجسمه ، وهاهنا بصورته المثالية ؛ فصح قول أهل الظاهر : إدريس في السماء الرابعة ، وإلياس في الدنيا ، فقال : ( وكان إلياس الذي هو إدريس عليه السّلام ) بعد صيرورته جامعا عاد أمره إلى الروحانية ، وإن نفيت جسمانيته ؛ ليكتسب بها الكمالات إذ ( قد مثل له انفلاق الجبل ) ، وهو مثال البدن ، وانفلاقه مثال لانفلاق البدن عما فيه بالقوة ( المسماة لبنان ) ، خصّ ذلك الجبل ؛ لاشتقاق اسمه في الأصل ( من اللبانة ، وهي الحاجة ) المشعرة باحتياجه إلى البدن في اكتساب أكثر الكمالات ، فلا بدعة في الكلية بل يجعله روحانيّا ( عن فرس ) ، وهو مثال ما يسير به السائر إلى اللّه تعالى على أحسن الوجوه من الأخلاق الفاضلة في الأعمال الصالحة ، والأحوال السنية ، والمقامات البهية ( من نار ) لما فيها من الخفة ، وطلب العلو ، وتفريق المختلفات ، ( وجميع آلاته ) التي هي أمثلة القوي المساعدة له في السير ( من نار ) ؛ لئلا يعوقه لو لم تكن منها في السير ، ( فلما رآه راكبا عليه ) ليركب روحه على ما ذكرنا على أتم الوجوه ؛ لأن فعل البدن مؤثر