علي بن أحمد المهائمي
557
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( قوله تعالى : فَسَأَكْتُبُها ) أي : أثبتها وأوجبها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ الأعراف : 156 ] ) . وفي معنى ذلك سائر ( ما قيدهم به من الصفات العلمية والعملية ) ، وفي التقييد إشارة إلى أنهما في صورة الاحتياط لا يبقى إنصاف الشخص بهما ، ( والطريق الآخر الذي ينال به هذه الرحمة ) التي وجب مثلها على اكتساب العلم والعمل الصالح مما يوافق الغرض ، ويلاءم الطبع ( طريق الامتنان الإلهي الذي لا يقترن به عمل ) ، أي : اكتساب علم أو عمل ، وهو الذي دلّ عليه ( قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] ) إذ لا يخلو شيء مما يلاءم طبعه ، ويوافق غرضه ، مع أن في الأشياء ما لا يكتسب علما ولا عملا . ( ومنه ) أي : ومن هذا القبيل لا من عمل يكفر للسيئات ، قوله تعالى : ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] ) ؛ لأنه عقله ، ففتح مكة ، وليس فيه عمل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن معناه : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [ الفتح : 1 ] لكي يجمع لك بين المغفرة تمام النعمة في الفتح ، وقيل : هو مردود إلى قوله : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ محمد : 19 ] ؛ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ، وقيل : إلى قوله : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [ النصر : 1 - 3 ] ؛ ليغفر لك اللّه ، وبعدهما ظاهر . ومنها أي : ومن الرحمة الامتنانية ، وإن توهم كونها وجوبية ، وهما مؤكدا ، فلذا أنت الضمير ؛ ليعود إليها صريحا قوله عزّ وجل لبعض خواص عباده : ( « اعمل ما شئت ، فقد غفرت لك » « 1 » ، فاعلم ذلك ) ، ولا يتوهم أنه على العمل ، فإنه إنما يوجب الثواب وغفران الذنوب الكبائر ، إنما هو بالتوبة ، « واعمل ما شئت » أعم من الصغائر ، ولكن يكون لبعض الأعمال مزيد نور ينفي ظلمة المعاصي بالكلية ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . ولما فرغ من الحكمة الملكية التي بها كمال التصرف ، وعموم الرحمة وخصوصها ، وذلك يوجب كمال المناسبة بين الفاعل والمنفعل ، وهو يوجب التأنس الكلي له به عقبها بالحكمة الإيناسية ؛ فقال :
--> ( 1 ) سبق تخريجه .