علي بن أحمد المهائمي
556
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
حقائق تلك الأسماء ، ثمّ إنّ الرّحمة تنال على طريقين ، طريق الوجوب ، وهو قوله تعالى : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ الأعراف : 156 ] ، وما قيّدهم به من الصّفات العلميّة والعمليّة ، والطّريق الآخر الّذي تنال به هذه الرّحمة طريق الامتنان الإلهيّ الّذي لا يقترن به عمل ، وهو قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] ، ومنه قيل : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 2 ] ، ومنها قوله : « اعمل ما شئت فقد غفرت لك » « 1 » ؛ فاعلم ذلك ] . ( ولهذا ) أي : ولاعتبار دلالة كل اسم على الذات حتى أنه يصير كمجرد الذات ، ( قال أبو القاسم بن قسي ) ، صاحب كتاب « خلع النعلين ( في الأسماء الإلهية ) » قيد بذلك ؛ ليشير إلى أن أسماء الذات أولى بذلك ، ( وإن كل اسم على انفراده ) ، أي : وإن لم يوجد مع الذات ، ولا مع سائر الأسماء ( مسمى بجميع الأسماء ) ، كما أن الذات مسماة بها ، وإن كان في الأسماء ما يدل بخصوصه على ما يقابل المدلول الخاص لهذا الاسم . والدليل عليه أنك ( إذا قدمته ) فتأكد شبهه بالذات المقدمة على الصفات ( نعته بجميع الأسماء ) نعت الذات بها ؛ ( وذلك لدلالتها على عين واحدة ) بطريق التضمن ، فيجوز إرادة الذات الواحدة منها ( وإن تكثرت الأسماء عليها ) ؛ فإنه لا يبطل وحدتها ، وإن كانت في ضمن كثرتها ، ( واختلفت حقائقها ) ، فإن كونها في ضمن هذه الحقائق المختلفة لا يوجب اختلاف حقيقتها ، فلا يكون نعت ذلك الاسم بسائر الأسماء ، كنعت الشيء بنفسه وبما يقابله ، وبيّن الضمير بقوله : ( أي : حقائق تلك الأسماء ) ؛ لئلا يتوهم عوده إلى الذات مع أن اعتبار ذلك يخل بوحدتها . ثم أشار إلى قسمة أخرى للرحمة ؛ ليشير إلى أن رحمة زكريا عليه السّلام كانت امتنانية من وجه ؛ لوقوعها على خرق العادة ، ووجوبية من وجه ؛ لترتبها على دعائه وتسبيحه ، فقال : ( ثم ) ، أي : بعد أن قسمت الرحمة إلى الذاتية والأسمائية ( أن الرحمة تنال على طريقين ) فيه إشارة إلى أن كل رحمة امتنانية « 2 » في الحقيقة ، إذ لا موجب على اللّه تعالى ، ولا يذم ترك الشيء ، كما لا يذم بفعل الشيء ، لكن لما وعد على اكتساب العلم والعمل ، ووعده صادق لا محالة صار في حكم الواجب عليه ، فأحدهما ( طريق الوجوب ) ، وهو الذي دلّ عليه
--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 492 ) ، وابن حبان ( 2 / 392 ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 4 / 270 ) . ( 2 ) الرحمة الامتنانية : هي السابقة ، سميت بذلك لأن اللّه تعالى امتن بها على الخلائق قبل استحقاقها ، لأنها سابقة على ما يصدر منهم من الأفعال التي توجب لهم استحقاقا ، والرحمة الامتنانية الخاصة : يعني بها رحمة اللّه تعالى لعبده ، حيث وفقه للقيام بما يوجب له من الأفعال استحقاق الثواب عليها ( لطائف الإعلام ص 161 ) .