علي بن أحمد المهائمي

538

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الحق عليه بكل حال مقطوع به ، فسلام الحق على يحيى أرجح من سلام عيسى على نفسه من هذا الوجه ، ( وإن كان قول الروح ) أي : عيسى عليه السّلام : ( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) [ مريم : 33 ] ( أكمل من الاتحاد ) لفظا ؛ لإشعاره بحصر السلام فيه ، فيتحد فيه كل سلام فيدخل فيه سلام الحق ؛ ( فهذا ) أي : سلام الحق على يحيى ( أكمل من الاتحاد ) معنى ؛ لأن سلام الحق في معنى كل سلام مع أنه لم يلتفت إلى سلام الغير فيه أصلا ، ( والاعتقاد ) إذ يعتقد كل سامع أنه سلام الحق بخلاف سلام عيسى ؛ فإنه يتبادر إلى أذهان عامة السامعين أنه من عيسى لا من اللّه تعالى ، ( وأرفع للتأويلات ) أي : لاحتمال الكذب ، فإنه مرفوع في خبر الحق بالاتفاق ، ولا يرتفع في خبر عيسى قبل ظهور نبوته ، وإن ظهر فيه خرق العادة قبلها ، وإن كان له دلالة على صدق من ظهر بسببه . ( فإنّ الّذي انخرقت فيه العادة في حقّ عيسى إنّما هو النّطق ) في المهد ، فهو وإن دل في حقه على أمته المنافية لكونه ولد الزنا لا يدل على صدق المنطوق من أوله إلى آخره ، فإن الكرامة لا تدل على عصمة صاحبها عن الكذب ، إذ لم يبعث أمينا على وحي يجب بسببه عصمته عنه ، وليس كلامه كلام الحق على لسانه ، ( فقد تمكن عقله ) من تكلم بما تكلم به ، وما ينطق الحق على لسانه لا يتمكن عقله من ذلك ، كيف والحق لا يقول : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [ مريم : 30 ] إلى آخره ؛ وذلك لأنه عليه السّلام تكلم ( في ذلك الزمان الذي أنطقه اللّه فيه ) ، وإن كان في المهد إذ النطق فرع العقل الكامل إذ لم يكن نطق الحق . ( ولا يلزم للمتمكن من النطق على أي حالة كان ) أي : سواء كان ذاكرا أمه أم لا ( الصدق فيما ) ( به ينطق ) ، أي : في جميع ما ينطق به ، وإنما دلّ صدق المعجزة على صدق جميع ما ينطق به ؛ لأنه للدلالة على الصدق في الرسالة التي هي محتملة الأمانة الوحي والكرامة ، وإن دلت على صدق الولاية ، فليس فيها أمانة وحي ، فهذا الاحتمال والتأويل له دخل في سلام عيسى على نفسه قبل النبوة ، وإن كان صاحب كرامة ( بخلاف المشهود له كيحيى ) ، وإن لم يكن صاحب كرامة ، ( فسلام الحق على يحيى من هذا الوجه ) ، وإن كان ينكره لا يفيد الحصر الكلي ( أرفع للالتباس ) أي : التباس الصدق والكذب من احتمال كل منهما ، وهذا الرفع هو ( الواقع في العناية الإلهية ) بزكريا عليه السّلام ؛ لأنه يدل على الاهتمام بتميز صدقه عن احتمال الكذب ( من سلام عيسى على نفسه ، وإن كانت قرائن الأحوال تدل على قربه من اللّه في ) ظهور ( ذلك ) الخارق عليه ؛ لأنه كرامة أو إرهاص ، والقريب من اللّه بريء من الكذب ؛ لأنه نقص ، وذلك يدل على ( صدقه إذ ) لا واسطة بينهما في الأصح ، ( إذ نطق ) بطريق الكرامة التي تشبه المعجزة في الدلالة على ثبوت ما ظهرت له ( في معرض الدلالة على براءة أمه ) .