علي بن أحمد المهائمي

539

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وهذا النطق وإن لم يكن خارقا للعادة من حيث هو نطق ، فهو خارق لها من حيث هو ( في المهد ) ، وهي وإن أشبهت المعجزة فلا تبلغ رتبتها في الدلالة على ثبوت ما ظهرت له لاحتمال الاستدراج فيها ، فلابدّ من شاهد آخر معها ، ( فهو ) أي : نطقه في المهد ( أحد الشاهدين ) على براءة أمه ، ( والشاهد الآخر ) وهو الأنسب للمدلول ( هز الجذع اليابس ) هزته ، ( فسقط ) ثمرها ( رطبا جنيّا ) من محل ، ولا تأثير مع أن النخل يحتاج إلى ذلك كالمرأة ، فكان سقوطه بدونها ، ( ولما ولدت مريم عيسى ) ( من غير فحل ) من الحيوان ، ( ولا ذكر ) من الإنسان ، ( ولا جماع ) عرفي ( معتاد ) من جبريل عليه السّلام ، وإن حصل نفخه رطوبة خالطت منيها من سريان الشهوة ، وإنما ذكر المعتاد مع العرفي ؛ لأن ثمة جماعا غير عرفي لكنه معتاد ، وهو إدخال نطفة الرجل في الفرج ، فإنه موجب للتولد على ما تراه الفقهاء ، وإن أنكره بعض الأطباء ، وهذا غير عرفي ولا معتاد بين احتمال الكذب في نظر العقل مع كونه مرجوحا ، بل مردودا بالقرائن المذكورة ، وبدلالة المعجزة بعد ذلك بمثال يفرضه المتكلمون فيما يخالف المعجزة للفرعون ، وقالوا : إن كانت المخالفة في نفس المعجزة لم يدل على صدق المدعي ، وإلا فالصحيح دلالتهما على الصدق إن كانت المخالفة بعد مدة ، وكذا إن لم يتحلل مدة على الصحيح . [ لو قال نبيّ : آيتي ومعجزتي أن ينطق هذا الحائط ، فنطق الحائط ، وقال في نطقه : تكذب ما أنت رسول اللّه ، لصحّت الآية ، وثبت بها أنّه رسول اللّه ، ولم يلتفت إلى ما نطق به الحائط ؛ فلمّا دخل هذا الاحتمال في كلام عيسى بإشارة أمّه إليه وهو في المهد ، كان سلام اللّه على يحيى أرفع من هذا الوجه ، فموضع الدّلالة أنّه عبد اللّه من أجل ما قيل فيه إنّه ابن اللّه وفرغت الدّلالة بمجرّد النّطق وأنّه عبد اللّه عند الطّائفة الأخرى القائلة بالنّبوّة ، وبقي ما زاد في حكم الاحتمال في النّظر العقليّ حتّى ظهر في المستقبل صدقه في جميع ما أخبر به في المهد فتحقّق ما أشرنا إليه ] . فقال : ( لو قال نبي : آيتي ومعجزتي ) إنما جمع بينهما ؛ ليدل على أن المعجزة إذا خالفت الدعوة مخالفة لا تضر في الدلالة على الصدق ، كانت آية على صدقه ، فلا تكون مخالفته منافية لقوله : إنها آيتي ( أن تنطق هذا الحائط ) قيد بالإشارة ؛ لأنه لو نطق غيره من الحيطان ، فلا دلالة في ذلك أصلا ؛ فلذلك أظهره في قوله : ( فنطق الحائط ) أو لا بما لا تكذيب له فيه ، وإلا كان نفس المعجزة مكذبا ، فيزداد اعتقاد الكذب ، ويدل على هذا القيد آخر كلام الشيخ - رحمه اللّه - ولكن ( قال في ) أثناء ( نطقه تكذب ما أنت رسول اللّه ) إنما ذكره ؛ لأن الكذب أعم من أن يكون في دعوى الرسالة أو غيرها ، ( فصحت الآية ) بالنطق الأول الذي لا تكذيب فيه ، ( وثبت بها أنه رسول اللّه ) ، وإنما ذكره لئلا يتوهم أنه إنما يكون أنه لثبوت رسالة نبي آخر ؛ ولثبوت كونه وليّا لا نبيّا ، ( ولم يلتفت )