علي بن أحمد المهائمي

537

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

[ ثمّ إنّه بشّره بما قدّمه من سلامه عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا ، فجاء بصفة الحياة وهي اسمه وأعلم بسلامه عليه ، وكلامه صدق فهو مقطوع به ، وإن كان قول الرّوح : وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [ مريم : 33 ] أكمل في الاتّحاد ، فهذا أكمل في الاتّحاد والاعتقاد وأرفع للتّأويلات ، فإنّ الّذي انخرقت فيه العادة في حقّ عيسى إنّما هو النّطق ، فقد تمكّن عقله وتكمّل في ذلك الزّمان الّذي أنطقه اللّه فيه . ولا يلزم للمتمكّن من النّطق على أيّ حالة كان الصّدق فيما به ينطق ، بخلاف المشهود له كيحيى ، فسلام الحقّ على يحيى من هذا الوجه أرفع للالتباس الواقع في العناية الإلهيّة به من سلام عيسى على نفسه ، وإن كانت قرائن الأحوال تدلّ على قربه من اللّه في ذلك وصدقه ، إذ نطق في معرض الدّلالة على براءة أمّه في المهد ، فهو أحد الشّاهدين ، والشّاهد الآخر هزّ الجذع اليابس فتساقط رطبا جنيا من غير فحل ولا تذكير ، كما ولدت مريم عيسى من غير فحل ولا ذكر ولا جماع معتاد ] . ( ثم ) أي : بعد هذه العناية والتكريم من اللّه تعالى لزكريا عليه السّلام ( أنه بشره ) ، أي : زكريا ( بما قدمه ) أي : يحيى على سائر من أحيى ذكر آبائهم بهم ، وعلى عيسى عليه السّلام ( من سلامه ) بما قدمه أي : بسبب تقديمه الحق لفظا ومعنى ، إذ قصد إحياء ذكره عزّ وجل في عقبه دون ذكر نفسه ، فظهر في مطلوبه بما له في قدمه من سلامه ؛ لتنزهه عن التعلق بالعالم في القدم ، فجعل سلامه ( عليه ) حتى سلم من التعلق بغير الحق ، فلم يفعل معصية ، ولا هم بها ( يَوْمَ وُلِدَ ) ، فصارت ولادته الطبيعية كالمعنوية ، ويوم ( يَمُوتُ ) فصار ثبوته الطبيعي كالاختياري ، ويوم ( يُبْعَثُ حَيًّا ) [ مريم : 15 ] ، فصارت حياته بعد الموت كالبقاء بعد الفناء ، ( فجاء ) لظهوره باسم السلام فيه ( بصفة الحياة ) ؛ ليدل على تنزيه حياته عن نقائص حياة المحدثات ، وهي وإن كانت بتعلق السلام أجرا ؛ فالأجر راجع إلى الأول والوسط أخذ بحكم الطرفين ، فالسلام متعلق بها في كل حال ، كيف ( وهي اسمه ) ؟ أي : داخل في مفهوم اسمه اللازم له أولا وآخرا ووسطا . ( وهو ) تعالى وإن لم يصرح بكون سلامه على هذا الاسم ، لكنه ( أعلم ) بطريق الإشارة ( بسلامه عليه ) ، فلا يتوهم عدم عمومه الأحوال ، كيف وهو تعالى صادق في إشارته مثل صدقه في عبارته ، إذ ( كلامه صدق ) من جميع الوجوه لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وهو مفهوم العبادة وَلا مِنْ خَلْفِهِ [ فصلت : 43 ] ، ( وهو ) مفهوم الإشارة . ثم مفهوم الإشارة وإن كان عند البعض ظنّا ، فهو عندنا ( مقطوع به ) ، فهو أي سلام