علي بن أحمد المهائمي

536

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

من حيث شموله على ما فيه من الصفة ، ومن حيث تضمنه معنى الأولية أي : ( يحيى به ذكر زكريا ) ، فهذا ما فيه من الصفة المعلولة له ( لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) [ مريم : 7 ] ، فهذا ما فيه من الأولية والحق ، وإن ظهر فيمن يقدمه بأول الصفات أو بأول الأسماء ، فلم يجمع لأحد قبله بينهما ، فلم يعم في حقّه أولية الأسماء من حيث تضمنها لما دونها من معلولاتها . ( فجمع ) في حقه ( بين حصول الصفة التي فيمن عبر ) ، وهي صفة الإحياء لذكر الآباء ( ممن ترك ولدا ) كاملا ( يحيي به ذكره ) ؛ ليكون كدلالة الصفة على الذات ، ( وبيّن اسمه بذلك ) للتنصيص على أن المقصود من اتحاده إحياء ذكر أبيه ، ( فسماه يحيى ) أسماء تدل على المقصود من مسماه ، ( فكان اسمه يحيى كالعلم الذوقي ) يقتضيه الذوق ، ولا يحتاج فيه إلى الوضع والتسمية ، ففي ذلك مزيد عناية وتنصيص لا يوجد في حق من لم يجمع له بين الاسم والصفة ، ( فإن آدم حيي ذكره بشيث ونوح عليه السّلام حيي ذكره بسام ، وكذلك الأنبياء ) حيا ذكرهم بأولادهم المعنويين والحسيين إذا انضم فيهم إلى الحسي المعنوي ، ( ولكن ما جمع لأحد مثل يحيى بين الاسم العلم منه ) أي : من هذا اللفظ ( وبين الصفة ) المفهومة منه ( إلا لزكريا ) في ابنه ، وإن كان في حق غيره أيضا كالعلم الذوقي ( عناية منه ) تعالى للدلالة على كمال هذه الصفة فيه ؛ لاعتنائه بالحق في دعوته بتقديمه على مطلوبة ، ( إذ قال : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ) [ مريم : 5 ] . ( فقدم الحق ) للعناية به بقوله : فَهَبْ ، والكاف في لَدُنْكَ ( على ذكر ولده ) ، وإن كان هو من حيث مطلوبه أهم له ( كما ) أعينت آسية بالحق ، فاعتنى بها الحق إذ ( قدمت آسية ) امرأة فرعون ( ذكر الجار على الدار في قولها : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ ) [ التحريم : 11 ] ، فقدمت عِنْدَكَ اهتماما بطلب الجار الحق على الدار في الجنة ، فجعلها مثلا للذين آمنوا ، وألحقها بالرجال الكمّل ، فلما أكرم زكريا الحق بتقديمه ، ( فأكرمه اللّه بأن قضى حاجته ) التي ليس من شأنها قضاؤها في وقت دعائها ، وهو وقت الكبر ، فأكرمه بهذه المعجزة ، وزاد في إكرامه بأن ( سماه بصفته ) التي هي إحياء ذكر زكريا به ، ( حتى يكون اسمه تذكارا ، لما طلب منه نبيّه زكريا ) فيه ؛ إشعارا بأنه لا يطلب الولد لزينة الدنيا ولا يرث ماله ، بل إنما طلبه ( لأنه عليه السّلام آثر بقاء ذكر اللّه في عقبه ) على ما كان يذكره أيام حياته ، وقد صار ذلك هيئة راسخة في قلبه ، فلابدّ أن يحملها ولده . ( إذ الولد سر أبيه ، فقال : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، وليس ثمة ) أي : في الواقع ( موروث في حق هؤلاء ) الأنبياء ( إلا مقام ذكره ) اللّه ( والدعوة إليه ) ، فكان مطلوبه إحياء ذكر اللّه ، فأجر اللّه تعالى ذكره ، وذكره في اسم ابنه ؛ ليعلم أنه حر وفاق .