علي بن أحمد المهائمي

532

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

إزالة ذلك عنه ، فإنّ ذلك إزالة عن جناب اللّه عند العارف وصاحب الكشف ، فإنّ اللّه تعالى قد وصف نفسه بأنّه يؤذي ؛ فقال : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 57 ] . وأيّ أذى أعظم من أن يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه أو عن مقام إلهيّ لا تعلمه لترجع إليه بالشّكوى فيرفعه ، فيصحّ الافتقار الّذي هو حقيقتك ، فيرتفع عن الحقّ الأذى بسؤالك إيّاه في رفعه عنك ، إذ أنت صورته الظّاهرة ، كما جاع بعض العارفين فبكى فقال له في ذلك من لا ذوق له في هذا الفنّ معاتبا له ، فقال العارف : « إنّما جوّعني لأبكي » ، يقول : إنّما ابتلاني بالضّرّ لأسأله في رفعه عنّي ، وذلك لا يقدح في كوني صابرا ؛ فعلمنا أنّ الصّبر إنّما هو حبس النّفس عن الشّكوى لغير اللّه ] . وإليه الإشارة بقوله : ( وعلم أيّوب عليه السّلام أنّ في حبس النّفس عن الشّكوى في دفع الضرّ إلى اللّه مقاومة القهر الإلهيّ ) ، ( وهو ) وإن كان صابرا لا تشترط فيه الشكوى إلى اللّه ، كما لا يشترط فيه تركه ( جهل ) لازم ( بالشخص ) المبتلى بمقصود الابتلاء ( إذا ابتلاه بما تتألم منه نفسه ) ؛ ليتضرع ، ويبتهل إلى اللّه بالدعاء ، وإظهار العجز له ، والافتقار إليه ، فإذا جهل هذا المقصود ، ( فلا يدعو إلى اللّه في إزالة ذلك الأمر المؤلم ) ، فيفوته مقصود الابتلاء وفائدة الدعاء ، ويتحصل من هذا الصبر مقاومة القهر الإلهي ، ويتضرر بها فوق ضرر ترك الصبر ، ( بل ) ثم نكتة أخرى ألطف مما ذكرنا هي أنه ( ينبغي له عند المحقق أن يتضرع ) إظهارا للعجز ، ( ونسأل اللّه في إزالة ذلك ) الألم ( عنه ، فإن ذلك ) التضرع والسؤال من حيث كونه موجبا للرضاء عنه ( إزالة ) لموجب الغضب عليه الذي كان سببا لابتلائه بمقتضى قوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] . والغضب أذى في حق الغاضب منا ، فهو يشبه الأذى في حق اللّه تعالى ، فكأنه يزيل بذلك التضرع والسؤال نفس الأذى ( عن جناب اللّه عند العارف وصاحب الكشف ) ، وإن استبعده العامة ، ولكن قد صحّ ذلك الكشف بالنص الإلهي ، ( فإن اللّه قد وصف نفسه ) في كتابه ( بأنه يؤذى ؛ فقال : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) [ الأحزاب : 57 ] ، ( وأي أذى أعظم ) في حق اللّه من أن تؤذيه أنت بإخلال ما قصده في ابتلائك ، وهو أنه ( يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه بالكلية أو عن مقام إلهي ) يقتضي أمر الشيء ، أو النهي عن شيء ، وإن كنت ( لا تعلمه ) بعينه ، فابتلاؤه إياك ( لترجع إليه ) تداركا لتلك الغفلة الموجبة للغضب عليك ( بالشكوى ) ، والدعاء ، والتضرع ، وغير ذلك مما يوجب الرضا عنك ؛ ( فيرفعه ) عنك ، فيرتفع عنه إرادة الانتقام الذي هو الغضب في حقه ، وهو الأذى في حق الغاضب كيف ؟ ! وإنما كان ابتلاؤه إياك عند غفلتك ؛ لإخلالك ( بافتقارك ) إليه ( الذي هو