علي بن أحمد المهائمي

533

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

حقيقتك ) ، فإذا رجعت إليه بالشكوى ، ( فيصح الافتقار الذي هو حقيقتك ) ، ومقصود الحق في كل شيء تحقيق مقتضى حقيقته ، فإذا لم يتحقق غضب عليه ، فترك الشكوى موجب لترك الافتقار الموجب للغضب الإلهي ، وإن شكوت إليه حصلت مقصوده ، ( فيرتفع عن الحق ) الغضب الذي هو ( الأذى بسؤالك إياه ) أي : الحق ( في رفعه ) أي : الأذى ( عنك ) لا عنه ؛ لأنه يستلزم ارتفاعه عنك ارتفاعه عنه ، ( إذ أنت صورته الظاهرة ) التي إنما لحقه الأذى بالنظر إليها لما رأى فيها من القصور ومطلوبه الظهور بالكمال ، فإذا ارتفع عنها لحصول الكمال لها ارتفع عن الحق . واستدل على أن هذا الافتقار والتصريح مقصود الحق بقول بعض العارفين ، فقال : ( كما جاع بعض العارفين ، فبكى ؛ فقال له في ذلك : من لا ذوق له في هذا الفن معاتبا له ) بترك الصبر على الجوع مع كونه عارفا ، ( فقال العارف : « إنما جوعني لأبكي ) . ولما أوهم ظاهره أن المقصود نفس البكاء ، وليس كذلك ، بل إنما هو التصريح بالبكاء ، والانتقال به إلى اللّه تعالى بينه بقوله : يقول : ( إنما ابتلاني بالضر لأسأله ) بالتصريح والبكاء ( في رفعه عني ) ؛ لأنه إذا ارتفع عني ارتفع موجب الغضب منه ، وهو أذى ، ولما كان هذا جوابا لعنى به بترك الصبر ، فكأنه قال : ( وذلك لا يقدح في كوني صابرا ) ؛ لأن غايته الشكوى إلى اللّه ، وإنما تقدح فيه الشكوى إلى الغير ، ( فعلمنا ) من النص الإلهي على كون أيوب عليه السّلام صابرا مع شكواه إلى اللّه ، ومن قول هذا العارف ، ومن قول المقصود من الابتلاء التصريح والدعاء : ( أن الصبر ) كما بينا حده إنما ( هو حبس النفس عن الشكوى لغير اللّه ) لما فيه من الرجوع إلى غيره . [ وأعني بالغير وجها خاصّا من وجوه اللّه ، وقد عيّن الحق وجها خاصّا من وجوه اللّه وهو المسمّى وجه الهويّة فتدعوه من ذلك الوجه في رفع الضّرّ عنه لا من الوجوه الأخر المسمّاة أسبابا ، وليست إلّا هو من حيث تفصيل الأمر في نفسه ، فالعارف لا يحجبه سؤاله هويّة الحقّ في رفع الضّرّ عنه عن أن تكون جميع الأسباب عينه من حيثيّة خاصّة ، وهذا لا يلزم طريقته إلّا الأدباء من عباد اللّه الأمناء على أسرار اللّه ؛ فإنّ للّه أمناء لا يعرفهم إلّا اللّه ؛ ويعرف بعضهم بعضا ، وقد نصحناك ؛ فاعمل وإيّاه سبحانه فاسأل ] . ثم استشعر سؤالا بأن الغير منتف عند أهل التوحيد ، فكيف يتصور عندهم الشكوى إلى الغير ؟ فقال : ( وأعني بالغير وجها خاصّا ) ، وهو ظهوره في المظاهر المحدثة ، فإنها باعتبار محالها غيره وإن كانت ( من وجوه ) تجلي ( اللّه ) التي عينيتها بذلك الاعتبار عند أهل التوحيد ، فلا منافاة بين عينيتها وغيرتها ، فلما كانت فيها العينية والغيرية لم تكن وجوها