علي بن أحمد المهائمي

529

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

ويعافيهم ، ومع ذلك شكا عنهم ؛ فيقول : « يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار ، ويقول : كذبني ابن آدم ، ولم يكن له ذلك ، وشتمني ابن آدم ، ولم يكن له ذلك ، أما تكذيبه إياي ، فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق ، فأهون عليّ ما أعدته ، وأما شتمه إياي ، فيقول : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ الكهف : 4 ] ، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ، ولم يكن لي كفوا أحد ، ويقول : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » « 1 » [ الأحزاب : 57 ] . ( الذي جعله ) غيره ( لنا نعبر ) عنه إلى أنفسنا ، فيفعل مثل فعله ؛ لينال مثل ما ناله من نعم العبد أو إلى اللّه ، فينظر إلى صبره مع شكواه ( وكتابا مسطورا ) ؛ لئلا تقع الغفلة عنه ( حاكيّا ) « 2 » عن نبي من الأنبياء ما نال به الرتبة العالية بعد النبوة ( بقراءة هذه الأمة المحمدية ) « 3 » التي علماؤها كأنبياء بني إسرائيل « 4 » ؛ ( ليعلم ما فيه ) من الأسرار العظيمة في الجمع بين الصبر والشكوى إلى اللّه تعالى ، ودعائه في إزالة الضر من معرفة المقصود من الابتلاء ، وهو الأوب إلى اللّه تعالى ، وإظهار العجز عن مقاومة قهره ، ورفع ما يشبه الأذى عن جنابه ، وهو الغضب بالتضرع والافتقار من العبد . ( فيلحق بصاحبه ) أي : صاحب ذلك السر وهو أيوب عليه السّلام في هذا المعنى ، وإن لم يكن لها تحصيل مثل مرتبته سريعا لها بما هو ( شرف ) بعض الأنبياء ، فتكمل بذلك ولا يتهم ، وإذا كان في أيوب هذا السر الإلهي ، ( فأثنى اللّه عليه ) بقوله : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 44 ] ، وبيّن الضمير بقوله : « ( أعني على أيوب ) ؛ لئلا يتوهم عوده إلى السر أو الكتاب ( بالصبر ) لا وحده لاشتراكه بينه وبين كثير من الناس ، بل ( مع دعائه في رفع الضر عنه ) بقوله : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ الأنبياء : 83 ] ، إذ صار جامعا بين الضر والدعاء الذي هو مخ العبادة « 5 » ، إذ تحقق عليه السّلام به بالعبودية والافتقار . ( فعلمنا أن العبد إذا دعا اللّه في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره » « 6 » ) ، إذ لا منافاة بينهما لما سيذكر في حد الصبر كيف ، ( وأنه صابر ) بالنص الإلهي ، ومع ذلك ( أنه )

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 4 / 1825 ) ، ومسلم ( 4 / 1762 ) . ( 2 ) في نسخة : « حاليّا » . ( 3 ) في نسخة : « تقرؤه هذه الأمّة المحمّديّة » . ( 4 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 4 / 384 ) ، والعجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 83 ) . ( 5 ) رواه الترمذي ( 5 / 456 ) ، والحكيم الترمذي في « نوادر الأصول » ( 2 / 113 ) . ( 6 ) ذكره الجرجاني في « التعريفات » ( 1 / 172 ) .