علي بن أحمد المهائمي
530
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
بالدعاء نِعْمَ الْعَبْدُ بالنصّ أيضا ، وكيف لا وهو يصير بذلك أوابا ؟ ( كما قال : إِنَّهُ أَوَّابٌ ) [ ص : 30 ] ، فجعله نعم العبد بكونه أوابا مع صبره بل هو المقصود من الصبر ، إذ لو تجرد كصبر المشركين على آلهتهم ، وصبر المتمردين على أسباب معاصيهم لم يكن مستحقا للمدح والثواب بل للذم والعقاب ، ( أي : راجع إلى اللّه تعالى ) أورده بصيغة المبالغة ؛ لأنه في معنى تكرر الرجوع إليه ؛ لأنه لما خص رجوعه إليه ( لا إلى الأسباب ) ، فكان رجوعه إليه مكان كل رجوع له إلى كل سبب . ( والحق ) وإن كان ( يفعل ) رفع الضر عنه ( عند ذلك ) الرجوع إليه ( بالسبب ) ، فليس ذلك رجوع العبد إلى السبب ؛ ( لأن العبد إنما يسند ) حاجته ( إليه ) أي : إلى اللّه ، وإن كان من حيث هو مسبب الأسباب ، فليس رجوعه إليها من حيث ما فيها من الكثرة بل إلى وحدة الحق ، ( إذ الأسباب المزيلة لأمر ما ) أي : سواء سهل أو صعب كبيرة ؛ لئلا يضطر الإنسان عند فقدان سبب معين ، فيعجز عن دفعه بالكلية ، فوسع اللّه تعالى في الأسباب لا حتى يرجعوا إليها ؛ بل ليفعل بأنه شاء لجريان سنته أن يفعل بالسبب غالبا ، ( والمسبب واحد العين ) وإن ظهر في كثرة الأسباب ، فيسهل الرجوع إليه ويحصل المقصود بجمع الهم فيه ، ولو رجع إلى الأسباب الكثيرة ، فإن رجع إلى جميعها ربما أضر به دون بعض ، فربما لا يفيده كما قال ، فرجوع العبد إلى الواحد العين مع ما فيه من التحقق في العبودية ونفي الشركة ، وإن كان رجوعا إلى ( المزيل ) ما لبست ذلك الألم ، فإن النظر إلى الإزالة . ( والسبب ) والألم ليس تفرقه لنظر الوحدة في حق الكمّل ، ومع ( ذلك ) أولى من الرجوع إلى سبب خاص ، وإن نظر فيه إلى اللّه وحده ؛ لأنه ( ربما لا يوافق ) ذلك ، أي : كونه سببا لرفع ذلك الألم بعينه ( علم اللّه فيه ) أي : في حق ذلك الألم ، أو في ذلك الشخص ، أو في ذلك الوقت وإن كان سببا لنوع آخر ، أو شخص آخر ووقت آخر ، فيقول : الراجع إلى اللّه من حيث ظهوره ( في سبب خاص ) بدعاء ربه وطلبه الشفاء فيه ( إن اللّه لم يستجب له ، وهو ما دعا ) لا من حيث هو هو ، ولا من حيث هو مسبب الأسباب ، ( وإنما جنح إلى سبب خاص ) وإن كان في زعمه أنه جنح إلى اللّه كما زعم بعض عبدة الأصنام أنه إنما يعبد اللّه فيه ، ولكنه لم يعبده من حيث هو هو ، ولا من حيث هو الظاهر في الكل ، بل خص بعض ظهوراته القاصرة للعبادة ورأى كماله فيها ، وهو عين القصور في رؤيته ، ومع ذلك ( لم يقتنصه الزمان ) الجامع ( للأوقات ) ، إذ لم يكن مزيلا لنوع علته ، وإن كان مزيلا لنوع آخر من جنسها ولا الوقت الخاص لممانعة طبيعة الفصل أو الشخص أو البلد ، وإذا كان المقصود من الابتلاء الرجوع إلى اللّه تعالى بالشكوى إليه ، والدعاء في رفع البلاء والصبر بترك الشكوى إلى الغير والرجوع إلى الأسباب ، ( فعمل أيوب بحكمة اللّه )