علي بن أحمد المهائمي
528
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وعذاب فرفع ذلك بالماء من حيث تضمنه سر الحياة المترتب عليها العلم بحسبها ؛ فإن الجهل موت معنوي فصار شرابا مزيلا لعطش طلبه إياها ، وهذا لا ينافي شكايته الألم الظاهر إذ لا يدرك مع استراحة الباطن إذا اجتمع ألم الظاهر مع ألم الباطن تأكد كل واحد بالآخر . ثم استشعر سؤالا بأنه كيف يجتمع القرب والبعد في الحقائق بالنسبة إليه ، وهما متقابلان ؟ فأجاب عنه بقوله : ( وقد علمت ) أي : في علم الحكمة والكلام ( إذ القرب والبعد أمران إضافيان ) ؛ لأن قرب أحد الأمرين من الآخر وبعده لا يتصور بدون قرب الآخر وبعده ؛ والإضافة نسبة بين الشيئين معدومة في الخارج ( فهما نسبتان لا وجود لهما في العين ) أي : الخارج فليستا من المتقابلين الذين لا بدّ وأن يكون أحدهما موجودا ( مع ثبوت أحكامها في القريب والبعيد ) أي : أحكام البعد في البعيدين ، وأحكام القرب في القريبين بالتقابل ، إنما هو بين أحكامها ، وتختلف الأحكام باختلاف الجهات ، فيكفي لتقابلها تقابل الجهات . [ واعلم أنّ سرّ اللّه في أيّوب الّذي جعله عبرة لنا وكتابا مسطورا حاليّا تقرؤه هذه الأمّة المحمّديّة لتعلم ما فيه فتلحق بصاحبه تشريفا لها ، فأثنى اللّه عليه - أعني : على أيّوب - بالصّبر مع دعائه في رفع الضّرّ عنه ؛ فعلمنا أنّ العبد إذا دعا اللّه في كشف الضّرّ عنه لا يقدح في صبره ، وأنّه صابر ، وأنّه نعم العبد كما قال تعالى : إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 17 ] ، أي : رجّاع إلى اللّه لا إلى الأسباب ، والحقّ يفعل عند ذلك بالسبب ؛ لأنّ العبد يستند إليه ، إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة والمسبّب واحد العين ، فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسّبب ذلك الألم أولى من الرّجوع إلى سبب خاصّ ربّما لا يوافق علم اللّه فيه ، فيقول : إنّ اللّه لم يستجب لي وهو ما دعاه ، وإنّما جنح إلى سبب خاصّ لم يقتضه الزّمان ولا الوقت ، فعمل أيّوب بحكمة اللّه تعالى إذ كان نبيّا ، لمّا علم أنّ الصّبر هو حبس النّفس عن الشّكوى عند طائفة وليس ذلك بحدّ الصّبر عندنا ، وإنّما حدّه حبس النّفس عن الشّكوى لغير اللّه لا إلى اللّه ، فحجب الطائفة نظرهم في أنّ الشّاكي يقدح بالشّكوى في الرّضا بالقضاء ، وليس كذلك ، فإنّ الرّضا بالقضاء لا تقدح فيه الشّكوى إلى اللّه ولا إلى غيره ، وإنّما تقدح في الرّضا بالمقضيّ ونحن ما خوطبنا بالرّضا بالمقضيّ والضّرّ هو المقضيّ ما هو عين القضاء ] . ثم أشار إلى تقريب الحق إياه بما أعطاه من الصبر مع الأوب إليه حتى أثنى بذلك عليه ، فقال : ( واعلم أنّ سرّ اللّه في أيّوب ) أي : المعنى القائم باللّه الظاهر في أيوب هو الصبر مع الشكوى المتضمنة للأوب إليه ؛ فإن اللّه تعالى يصبر على العصاة ويرزقهم