علي بن أحمد المهائمي

499

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

أقرب إلى الغاية أو واقفا فيها ، ( فإذا لحقه هذا الذي ) كان ( يحكم عليه المتأخر ) في أثناء الطريق ، فإنه يصير حينئذ بحيث ( يحكم عليه المتقدم ) ، إذ الحكم على كل شيء للأقرب منه دون الأبعد في طريق الرجوع إلى اللّه تعالى الرحمة متقدمة والغضب متأخر . فمن كان الحاكم عليه الغضب في أثناء الطريق يصير الحاكم عليه الرحمة في الغاية ، ( فنالته الرحمة ) لا محالة إلا أن نفرض سبق شيء ثالث عليها ، لكنه باطل ( إذ لم يكن غيرها سبق ) ، وإلا لكان أولى بالذكر ، لكن لم يرد ذلك في الأخبار أصلا مع أنه أجل مما ذكر ، فلا يجوز للكمّل ترك ذكره مع ذكر الأدنى منه ، ( فهذا معنى ) ما قيل : « سبقت رحمته غضبه » « 1 » ، لا ما يتوهم من غلبة الرحمة على الغضب لاستلزامه كثرة المرحومين لكنه باطل لما ورد في الحديث من أنه : « يبعث إلى النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون » « 2 » . وليس هذا السبق كسبق إعلام الطريق بعضها على بعض لا يؤثر في السائرين أصلا إذ لا معنى له هاهنا ، فإنما سبقت ؛ ( لتحكم على ما وصل إليها ) ، كما حكم المتأخر على من وصل إليه في أثناء الطريق ، وليس لها رجوع عن الغاية بعد سبقها إليها ، حتى يصح أن يقال : لا يحكم على كل من وصل إلى الغاية ؛ ( فإنها في الغاية وقفت ) ، ولا يحبس أحد في أثناء الطريق بحيث لا يصل إلى الغاية ، فلا تحكم عليها الرحمة التي فيها بل ( الكل سالك ) بحيث ( إلى الغاية ) التي فيها ، ( فلابدّ ) للكلّ ( من الوصول إليها ) ، فإنه لا بدّ للحركة من المنتهى ، ( فلابدّ من الوصول إلى الرحمة ) ؛ لأن الوصول إلى الغاية مستلزم للوصول إليها ، ( ومفارقة الغضب ) الذي في أثناء الطريق كما لا بدّ للواصل إلى منتهى الحركة من مفارقة وسط الطريق ، والحكم للموصول إليه دون المفارق . ( فيكون الحكم لها ) لكن هذا الحكم ( بحسبما يعطيه حال الواصل إليها ) ، فإن اقتضت حالته الوصول إلى الأسماء الجمالية يكون حكم الرحمة عليه أن تنتفع بها الأعيان الثابتة ، والأرواح ، والقلوب ، والنفوس ، والأركان ، فيكون مرحوما مفارقا للغضب من كل وجه ، وإن اقتضت حالته الوصول إلى الأسماء الجلالية يكون حكم الرحمة عليها أن تنتفع بها الأعيان الثابتة لا غير ، فيكون مرحوما لمفارقة غضب البعد المطلق مع حصول البعد من تجلي الأسماء الجمالية ، وهذه الرحمة أيضا مفيدة لانتفاع الأرواح والقلوب والنفوس والأجسام في حقّ المحب ، لكن هذا محجوب لا يلتذ بها تكن عدم التلذذ بالخلق لا يخل بحلاوته في نفسه ، فكذلك هذه الرحمة والقرب . فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا * وإن لم يكن فهم فيأخذه عنّا

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1221 ) ، ومسلم ( 1 / 201 ) .