علي بن أحمد المهائمي
500
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
فما ثمّ إلّا ما ذكرناه فاعتمد * عليه وكن بالحال فيه كما كنّا فمنه إلينا ما تلونا عليكم * ومنّا إليكم ما وهبناكم منّا وأمّا تليين الحديد فقلوب قاسية يليّنها الزّجر والوعيد تليين النّار الحديد ، وإنّما الصّعب قلوب أشدّ قساوة من الحجارة ، فإنّ الحجارة تكسّرها وتكلّسها النّار ولا تليّنها : وما ألان له الحديد إلّا لعمل الدّروع الواقية تنبيها من اللّه : أي لا يتّقى الشّيء إلّا بنفسه ، فإنّ الدّرع يتّقى بها السّنان والسّيف والسّكّين والنّصل ، فاتّقيت الحديد بالحديد ، فجاء الشّرع المحمّديّ بأعوذ بك منك ، فافهم ، فهذا روح تليين الحديد فهو المنتقم الرّحيم ، واللّه الموفّق ] . ولصعوبة فهم هذا الكلام على العوام قال : ( فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا ) بالذوق المفيد للعلم الضروري ، ( وإن لم يكن ) لأحد ( فهم فيأخذه ) تقليدا ( عنّا ) ، ولا ينبغي له أن ينكر علينا ما لم يفهم منا ، وليس لنا أن نذكر له غير ما ذكرنا عند إنكاره ، ( فما ثم ) أي : في الواقع ( إلا ما ذكرناه ) من وجوب نوع من الرحمة في الغاية لكل واحد ، وإن لم ينتفع بعضهم باعتبار غير الثابتة به ، ( فاعتمد عليه ) لا على ما قيل باختصاص الرحمة بطائفة دون أخرى من كل وجه ، ( وكن بالحال ) أي : بالذوق ( فيه ) أي : في عموم الرحمة إن لم يدركها في البعض بالحس أو العقل ، ( كما كنا ) تقليدا لنا إن لم يستقل ، فإنه ليس على العامة حرج في تقليد الكامل قبل أن يصل إلى حال التحقيق . ثم أشار إلى وجه تلذذ المحب بتلك الرحمة ، وإن رآها المحجوب عين العذاب ، بقوله : ( فمنه إلينا ما تلونا عليكم ) من كون الرحمة في صورة العذاب ، إذ فيه رؤية المحبوب والقرب منه ، لكن هذا لمن أوتي المحبة ، وليس ذلك إلى اختيار المعذب حتى يأخذ به ، ويدفع عنه وجد العذاب كما قال ، ( وليس إليكم ) أي : إلى اختياركم ( ما وهبناكم منا ) من المحبة حتى تلذذوا بالعذاب لاختياركم ، بل يختص بمن أعطاه الحق محبته كخزنة جهنم ، وما فيها من الحيات والعقارب ، ومنه تقول النار للمؤمن : جز يا مؤمن ، فإن نورك أطفأ لهبي « 1 » ، ومنه دخول نبينا عليه السّلام في النار ؛ لإخراج أهلها بالشفاعة « 2 » ، ومما نقل عن بعض العارفين أنه لو أدخل النار لا تبتغي منه فرحا . ثم شرع في بقية النعم التي طولب آل داود بالشكر عليها ، وهي النعمة التي بها تمام أمر الخلافة ، وهي مشيرة إلى كون الرحمة في عين النعمة ، وإلى المقصد الأعلى من النبوة
--> ( 1 ) رواه الطبراني في « الكبير » ( 22 / 258 ) ، والحكيم الترمذي في « نوادر الأصول » ( 1 / 128 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2399 ) ، ومسلم ( 1 / 178 ) .