علي بن أحمد المهائمي

498

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

عدمه يجب وجوده ، والواجب خارج عن حدّ التكليف كالممتنع ، ( ولكن ) هذا الفعل الذي توجهت المشيئة إلى إنجازه إنما يتحقق ( في هذا المحل الخاص ) ، فيتأثر به فيحصل له منه صفة منيرة أو مظلمة باعتبار قصده فيه ، وهو باعتبار ذلك مكلف مختار ، ( فوقتا يسمى به ) أي : بالنظر إلى المحل وقصده وما تأثر به ( مخالفة لأمر اللّه ) الشرعي ، ( ووقتا يسمى موافقة ) ، وهو عين ما يكون ( طاعة لموافقته الأمر الشرعي ) مع أمر المشيئة أيضا ، ( ويتبعه ) أي : الفعل باعتبار المحل الصادر هو عن قصده ، ولا يتبع أمر المشيئة ؛ لأنه ليس إلى العبد أصلا ، بل هو فيه تابع للحق بالضرورة ، فلا يحمد باعتباره ، ولا يذم الحمد فيما وقع موافقا للأمرين ؛ لإفادته إياه أثرا نوريّا وسعادة ، والذم فيما وقع مخالفا للأمر الشرعي ، وإن وافق أمر المشيئة ؛ لإفادته إياه أثرا ظلمانيّا وشقاوة . ولكن يكون ( هذا الحمد والذم على حسب ما يكون ) الفعل ، فالحمد على الواجب ليس كالحمد على المندوب ، والذم على الحرام ليس كالذم على المكروه ، وإنما ذكره ؛ ليشير إلى أن التفاوت في الأفعال إنما يكون بحسب هذا الاعتبار لا بحسب المشيئة ، وإلا فلا تفاوت في المشيئة كما قال تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] ؛ ولذا لا يذم اللّه تعالى على خلق القبائح إذ لا قبح بالنسبة إليه . ثم أشار إلى ذلك الكمال في جميع تلك الأفعال الذي به انتسابها إلى اللّه تعالى بأنها من تلك الجهة مقيدة للسعادة بوجه ما للعامل ، وإن كانت مفيدة للشقاوة بوجه آخر ، فقال : ( ولما كان الأمر ) أي : أمر الحق تعالى ( على ما قررناه ) من كونه أمر المشيئة وأمر التكليف ، وأنه لا بدّ للعبد في أفعاله كلها وموافقة أحدهما ، والموافقة موجبة للكمال كانت موجبة لكماله من وجه ؛ ( لذلك ) أي : لكون فعل كل موجب للكمال في الجملة ، ( كان مآل الخلق إلى السعادة ) التي هي الكمال المطلوب من اتحادهم ( على اختلاف أنواعها ) ، فنوع منها تنتفع به الروح والقلب والجسم ، وسائر ما يتعلق بها ، ونوع يختص نفعه بالأعيان الثابتة ، وهي سعادة القرب من الحق في التجلي الجلالي ، تلتذ بها الأعيان الثابتة دون الأرواح والقلوب والنفوس والأركان . ( فعبّر عن هذا المقام ) أي : مقام حصول نوع من السعادة لكل واحد ، وإن كان مع نقصها أنواع من الشقاوة بحيث يضمحل هذا النوع بالنظر إليها ( بأن الرحمة ) التي هي إفاضة الخير ، ( وسعت كل شيء ) حتى المغضوب عليه ، إذ يحصل له سعادة القرب من اللّه عند رجوعه إلى اللّه ، ولكن مع تنكس الرأس ، وعود الحجاب الظلماني عليه الموجب للعذاب ، ( وأنها سبقت الغضب الإلهي ) ، فلا بدّ للمغضوب عليه أن يصير محكوما عليه بها إذ وصل إلى غايته ، وذلك أن ( السابق ) في الطريق ( متقدم ) على اللاحق فيه ، بحيث يكون