علي بن أحمد المهائمي
497
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( المسمى معصية ) فعلا أو تركا فلا بعد في ذلك ، ( فليس ) الأمر الشرعي ( إلا الأمر بالواسطة ) ، أي : بواسطة أمر المشيئة ، فإنها اقتضت الأمر الشرعي فآثرت ، واللاحق فإذا عارض السابق كان الحكم للسابق ؛ وذلك لأنّا نقول : ( لا ) يكون ( الأمر ) الشرعي الأثر ( التكويني ) ، وإن كان الأمر التكويني عامّا مطلقا بالنسبة إلى تقرير الأمر الشرعي ، فليس عامّا بالنسبة إلى وقوعه من حيث هو مقتضى الأمر الشرعي ، وإن كان عامّا إلى كل واقع ، لكن لأمر حيث كونه شرعها بل بكونه متعلق المشيئة ، وإذا كان الأمران للّه والمخالفة منفية بالكلية ، إنما يتصور بمخالفة أمره من كلّ وجه . ( فما خالف اللّه أحد في جميع ما يفعله ) من طاعة ومعصية ، ( من حيث أمر المشيئة ) ، ولكن اتفق الكل على أن ترك المأمور ، وفعل المنهي مخالفة له ، ( فوقعت المخالفة من حيث أمر ) الرسالة ، وهو الأمر الشرعي من حيث أن تقرره بالمشيئة هو ووقوع الثواب والعقاب على صاحبه أيضا بها ، فهو من جميع وجوهه ( بالواسطة ) ، فالمخالفة فيه ليست تعجيزا للحق إذا وافق فيما هو أصله ؛ ( فافهم ) لئلا يتخذ عندك الأمران ولا حكمهما . [ وعلى الحقيقة فأمر المشيئة إنّما يتوجّه على إيجاد عين الفعل لا على من ظهر على يديه ، فيستحيل أن لا يكون ؛ ولكن في هذا المحلّ الخاصّ ، فوقتا يسمّى به مخالفة لأمر اللّه ، ووقتا يسمّى موافقة وطاعة لأمر اللّه ، ويتبعه لسان الحمد والذّمّ على حسب ما يكون ، ولمّا كان الأمر في نفسه على ما قرّرناه لذلك كان مآل الخلق إلى السّعادة على اختلاف أنواعها ، فعبّر عن هذا المقام بأنّ الرّحمة وسعت كلّ شيء ، وأنّها سبقت الغضب الإلهيّ ، والسّابق متقدّم ، فإذا لحقه هذا الّذي حكم عليه المتأخّر حكم عليه المتقدّم فنالته الرّحمة إذ لم يكن غيرها سبق ، فهذا معنى « سبقت رحمته غضبه » « 1 » ، لتحكم على ما وصل إليها ؛ فإنّها في الغاية وقفت ، والكلّ سالك إلى الغاية ، فلا بدّ من الوصول إليها ، فلابدّ من الوصول إلى الرّحمة ، ومفارقة الغضب ، فيكون الحكم لها في كلّ واصل إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها ] . ثم أشار إلى أنه كيف تقع المخالفة في أمر المشيئة ، ولا شكّ أنه إنما يتصور في الأمر المقدور عليه للعبد ، لكنه غير مقدور للعبد فلا تكليف فيه فلا يخالفه ؛ فقال : ( وعلى الحقيقة فأمر المشيئة إنما يتوجه على إيجاد عين الفعل ) ، إذ بها ترجيح أحد جانبي الفعل والترك الموجب حصول الراجح منهما ، و ( لا ) يكون تكليفا ( على من ظهر على يديه ) ، إذ ليس في وسعه تركه ؛ لأن المشيئة موجبة بالذات ، ( فيستحيل ألا يكون ) ، وما يستحيل
--> ( 1 ) رواه ابن حبان في « الصحيح » ( 14 / 36 ) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 7 / 23 ) .