علي بن أحمد المهائمي
493
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وقوع الغلط في خبره من جهة اللفظ والمعنى ، ( فما هو ) أي : العدل ( معصوم عن الوهم ) ، فربما يتوهم أنه سمع شيئا ، ولم يكن سمعه ، ( ولا ) معصوم ( عن النقل على المعنى ) ، فربما يظن للمسموع منه عليه السّلام معنى لم يكن له ، فيأتي له بعبارة من عنده ، ( فمثل هذا ) التغيير ، وإن امتنع وقوعه من المجتهدين ، غير أهل الكشف ( يقع من الخليفة ) المكاشف ، وإن امتنع تغيير آخر منه ، وإن وقع في كشفه ابتلاء ، لكن لا تلبيس عليه فيما ينقله عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ( وكذلك ) أي : مثل هذا التغيير الواقع عن الخليفة المجرد ( يقع عن عيسى عليه السّلام ) لا مثل ما وقع منه في حقّ موسى عليه السّلام قبل رفعه إلى السماء ، ( فإنه إذا نزل ) من السماء ، فغايته أنه ( يرفع كثيرا من شرع الاجتهاد المقرر ) عند جمهور العلماء بلا إجماع منهم ؛ لكونه غير صورة الحق في الواقع ، ( فيتبين برفعه ) ؛ لكونه نبيّا معلوم الصدق بالضرورة بخلاف سائر الخلفاء ؛ فإنه لا يتبين برفعهم ( صورة الحق المشروع الذي كان نبينا عليه السّلام عليه ) ، وإن كان ينقل عنه بطريق قطعي فيها واحدة ، وإن قلنا بتصويب المجتهدين ، ( ولا سيما إذا تعارضت أحكام الأئمة في النازلة الواحدة ) ، فإنه وإن صوب البعض فيه كل مجتهد فهو من حيث رفع الحرج عنه ومن عمل بقوله من مقلديه ، ( فنعلم قطعا أنه لو نزل وحي ) ، ونقل عندنا بطريق قطعي ( لنزل بأحد الوجوه ) المتقابلة لا بجميعها لامتناع اجتماعها . ( فذلك ) الوجه الذي قدر نزول الوحي به ( هو الحكم الإلهي ) الصواب الموجب لمن أصابه من المجتهدين أجرين ، ( وما عداه ) من وجه أو وجوه ، ( وإن ) وعد عليه الأجر ، وأسقط عن القائل به والعامل به الوزن ، فليس مما لو نزل الوحي لنزل به ، ( فهو شرع تقرير ) لما فيه من أمارة ظنية موجبة للفتوى والعمل ، وإنما ( قرر ) مع كونه خلاف صورة ( الحق ) ؛ ( لرفع الحرج عن هذه الأمة ) في تكليف الإجابة مع خفاء الأمارة ، وهو مرفوع بقوله تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] ، ( واتساع الحكم فيها ) للمصالح المختلفة بحسب الأحوال والأزمنة . [ وأمّا قوله عليه السّلام : « إذا بويع لخلفتين فاقتلوا الآخر منهما » « 1 » ؛ فهذا في الخلافة الظّاهرة الّتي لها السّيف ، وإن اتّفقا فلابدّ من قتل أحدهما بخلاف الخلافة المعنويّة ؛ فإنّه لا قتل فيها ، وإنّما جاء القتل في الخلافة الظّاهرة ، وإن لم يكن لذلك الخليفة هذا المقام ، وهو خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إن عدل ، فمن حكم الأصل الّذي به تخيّل وجود إلهين ، لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] ، وإن اتّفقا فنحن نعلم أنّهما لو اختلفا تقديرا لنفذ حكم أحدهما ، فالنّافذ الحكم هو اللّه على الحقيقة ، والّذي لم ينفذ
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1853 ) ، والبيهقي في « السنن الكبرى » ( 8 / 144 ) .