علي بن أحمد المهائمي
487
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أن صار الخلفاء بعده خلفاء عنه ، وهم في ذلك في معنى الخلفاء عن اللّه ، وإليه الإشارة بقوله : ( « وأما الخلافة اليوم » ) أي : بعد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ( فعن رسل اللّه لا عن اللّه ) ، وإن كان فيهم من بلغ رتبة الكشف ، ( فإنهم ما يحكمون إلا بما شرع لهم الرسول لا يخرجون عن ذلك ) ، وإن كوشفوا بخلافه إذ شرعه غير قابل للنسخ ، وليس لهم رتبة التشريع ( غير أن هاهنا دقيقة لا يعلمها إلا أمثالنا ) من أهل الكشف دون أهل الظاهر ، ( وذلك في أخذ ما يحكمون به ) ، فإنهم لا يأخذونه عن الرسول ، وإن كان ( مما هو شرع للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ) ؛ لأن ذلك نوع تقليد ، وهم قادرون على التحقيق بالمعاينة ، لكن لا تكون معاينتهم مخالفة لما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن وقعت المخالفة ؛ فهي ابتلاء من اللّه تعالى لا يعمل بها الولي كما صرّح به الشيخ - رحمه اللّه - في مواقع النجوم ، ونقله صاحب تحفة البررة عن الشيخ روزبهان السراري رحمه اللّه . ( فالخليفة عن الرسول ) في الظاهر والباطن ( من ) لم ( تأخذ الحكم عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ) في الكتاب والسنة ( أو ) الإجماع إذ لا يخلو عن سند منهما إلا ( بالاجتهاد الذي أصله ) أي : حكم أصله ، وهو المقيس عليه ( أيضا منقول عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، وإن لم ينقل عنه غير الأصل ، ولا تعديتها إلى الفرع ، ( وفينا من يأخذه عن اللّه ) ، وإن لم تكن له رتبة التشريع ، فيكون خليفة عن اللّه من حيث أخذه عن اللّه ، ولكن لعدم كونه مشرعا يأخذ ( بعين ذلك الحكم ) الذي جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو وإن لم يكن له رتبة التشريع له أن يأخذ من مأخذ صاحب التشريع . ( فتكون المادة ) أي : مأخذ الحكم ( له ) أي : لهذا المكاشف ( من حيث كانت المادة لرسوله ) ، إذ لا حجز في الوصول إلى ذلك المكان من المكاشفة ، وإن حجز عن الأخذ بالزيادة والنقصان للتناقض لو كوشف بأخذها ابتلاء بخلاف الرسول إذا كوشف بأخذها بعد ما كوشف له أو لغيره من الرسول بخلافه ، فهو أي : ذلك الأخذ عن اللّه ، وإن كان خليفة عنه في الباطن ( وهو في الظاهر متبع ) للرسول ؛ ( لعدم مخالفته في الحكم ) ، وإن خالف كشفه حينا مع أنه الأصل في التشريع والسابق في الزمان ، فهو خليفة عنه بهذا الاعتبار ، ولا بعد في ذلك ، فإنه فيه ( كعيسى عليه السّلام إذا نزل ) من السماء ، ( فحكم ) بالشرع المحمدي ، فهو متبع له عليه السّلام مع أنه أخذ عن اللّه وخليفة عنه ، وكان ( النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) فيما قرر من شرع من يقدمه ، فإنه متبع لما يقدمه ، وإن كان أخذا من اللّه بلا واسطة من تقدم ، كما ذكر في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] . ثم استشعر سؤالا بأنه كيف يكون عيسى مقتديا بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو عليه السّلام مقتد به فيما قرر من شرعه ، فيلزم أن يكون عيسى عليه السّلام مقتديا بمن اقتدى به في أمر هو به مستقل ، وهو باطل بالضرورة ؟