علي بن أحمد المهائمي

486

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الرّسول لا يخرجون عن ذلك ، غير أن هاهنا دقيقة لا يعلمها إلّا أمثالنا ، وذلك في أخذ ما يحكمون به ممّا هو شرّع للرّسول عليه السّلام ، فالخليفة عن الرّسول من يأخذ الحكم بالنّقل عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أو بالاجتهاد الّذي أصله أيضا منقول عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفينا من يأخذه عن اللّه بعين ذلك الحكم ، فتكون المادّة له من حيث كانت المادّة لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو في الظّاهر متّبع لعدم مخالفته في الحكم كعيسى عليه السّلام إذا نزل فحكم ، وكالنّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلم في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] ، وهو في حقّ ما يعرفه من صورة الأخذ مختصّ موافق ، هو فيه بمنزلة ما قرّره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من شرع من تقدّم من الرّسل بكونه قرّره فاتبعناه من حيث تقريره لا من حيث إنّه شرع لغيره قبله ] . ( ثم ) إن خلافة آدم عليه السّلام وإن ذكرت بأخص أسمائها ، فلا تبلغ رتبة خلافة ( داود ) ، إذ في خلافة داود عليه السّلام وجه ( من الاختصاص بالخلافة ) الإلهية ليس ذلك في خلافة آدم عليه السّلام ، وهو ( أن جعله خليفة حكم ) إلهي إذ رتبه على خلافته ، فكانت خلافته خلافة عن اللّه ؛ وذلك لأنه ( ليس ذلك ) الحكم إلا في الخلافة ( عن اللّه ) ، فأراد الحق التنصيص على ذلك ، فقال له : فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ ، ثم زاد تنصيصا بقوله : بِالْحَقِّ ، ( وخلافة آدم عليه السّلام ) بحسبما يفهم من قوله : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، ( قد لا يكون ) بحسب الاحتمال لمن لم ينظر في الواقع ، بل اقتصر نظره على هذه اللفظة ( من هذه المرتبة ) أي : خلافة الحكم ، ( فتكون خلافته ) على ذلك الاحتمال بمعنى : ( أن يخلف ) أي : ينوب ( من كان فيها ) أي : في الأرض من الجن أو غيرهم ( قبل ذلك ) أي : وجود آدم ( لا ) بمعنى ( أنه نائب عن اللّه ) استخلفه ( في خلقه ) ، فأقامه ( بالحكم الإلهي فيهم ) مقامه ، فإن اللفظ ليس فيه بل يحتمل له ، ولما ذكرناه . ( وإن كان الأمر ) أي : أمر خلافة آدم عليه السّلام ( كذلك ) أي : مثل خلافة داود ( وقع ) ، فكانت خلافة عن اللّه في الحكم الإلهي ، ( ولكن ليس كلّ منّا إلا في التنصيص عليه ) أي : على كونه خليفة حكم ، ( والتصريح به ) من اللّه تعالى باللفظ ، وإن كانت القرائن كالمصرحة بهذا الأمر ، وإلا فنحن لا ننكر خلافة آدم وإبراهيم - عليهما السّلام - عن اللّه في الحكم مع هذه النصوص ، مع أنّا نقر بخلافة من لم يذكر اللّه خلافتهم أصلا ، ونقول : ( « وللّه في الأرض خلائف » ) لا بمعنى أنهم خلفوا من تقدمهم ، بل بمعنى أنهم خلفاء ( عن اللّه ) في حكمة . ولما أوهم ذلك أنه يعم كل خليفة نبيّا أو غيره ، أزال ذلك بقوله : ( وهم الرسل ) ، وفيه إشارة إلى حصول هذه الرتبة لنبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعدم التنصيص في حقه إن صح ؛ فلعدم الحاجة إليه لظهور دينه على الدين كله إلى يوم القيامة ، وكذلك خلافة إلهية ، وقد قام مقام الحق في