علي بن أحمد المهائمي

472

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

أهل الهوى : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [ الأحقاف : 20 ] . [ وهذا سار في جميع ما يسأل فيه اللّه كما قال لنبيّه محمّد صلى اللّه عليه وسلّم : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] فامتثل أمر ربّه فكان يطلب الزّيادة من العلم حتّى كان إذا سيق له لبن يتأوّله بالعلم كما تأوّل رؤياه لمّا رأى في النّوم أنّه أتي إليه بقدح لبن فشربه وأعطى فضله عمر بن الخطّاب ، قالوا : فما أوّلته ؟ قال : العلم ، وكذلك لمّا أسري به أتاه الملك بإناء فيه لبن وإناء فيه خمر فشرب اللّبن ، فقال له الملك : أصبت الفطرة أصاب اللّه بك أمّتك « 1 » ، فاللّبن متى ظهر فهو صورة العلم ، فهو العلم تمثّل في صورة اللّبن كجبريل تمثّل في صورة بشر سويّ لمريم ] . ( وهذا ) أي : عدم محاسبة الحق فيما حصل بالسؤال عن الأمر الإلهي ( سار ) ، أي : عام ( في جميع ما يسأل اللّه فيه ) سواء كان المسؤول فيه عين ما أمر به الحق أو مناسب له نوع مناسبة ؛ لأنه امتثال الأمر من كل وجه بخلاف الاقتصار على الامتثال في عين ما أمر به دون ما يناسبه مع أنه في معناه ، فإنه امتثال من وجه دون وجه ، ( كما قال لنفسه صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ) ، ( فامتثل أمر ربه ) بطلب عين المأمور وما يناسبه ؛ ( ولذلك كان « 3 » يطلب الزيادة من العلم ) في الصور المتعارفة له أي : المسائل العلمية ، وفي صورة اللبن ( حتى كان إذا سيق له لبن ) في يقظته ( يتأوّله ) علما ؛ ليكون بهذا التأويل طالبا لحصوله له ، فإن تأويل الرؤيا سبب حصول تأويله ، وتركه سبب ضياعه ، وتأويل الصور الحسية في معنى ذلك عند الكمّل ، فكان عليه السّلام يتناول اللبن المسوق إليه ( بالعلم ) ، ( كما تأوّل رؤياه ) بالعلم ، ( فلما رأى في النوم أنه أتي بقدح لبن ، فشربه وأعطى فضله عمر بن الخطاب ، قالوا : « فما أولته » قال : العلم ) « 4 » ؛ وذلك لأن العلم قوام الروح في النهاية ، كما أن اللبن قوام البدن في البداية والنهاية هي الرجوع إلى البداية ، فالنهاية في العلم ظهور جميع ما في الروح بالقوة في فطرته إلى الفعل . ثم أشار إلى دليل عدم اختصاصه بالمنام بقوله : ( وكذلك لما أسري به أتاه الملك ) ، أي : جبريل ، وفي لفظ « الملك » إشارة إلى أن لكلّ صورة معنى في عالم الملكوت هو تأويلها ( بإناء فيه لبن ) تأويله العلم الكامل الفطري ، ( وإناء فيه خمر ) تأويله الحيرة والسكر ، ( فشرب اللبن ) ؛ ليكمل علمه الفطري ، ( فقال له الملك : « أصبت الفطرة » ) التي

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 150 ) ، وابن خزيمة في « الصحيح » ( 1 / 155 ) . ( 2 ) في نسخة : « لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم » . ( 3 ) في نسخة : « فكان » . ( 4 ) سبق تخريجه .