علي بن أحمد المهائمي

473

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

كان عليها الروح عند تجردها عن البدن ، وهو سبب كمال علمها ( « أصاب اللّه بك أمتك » ) « 1 » أي : جعلها اللّه مصيبة للفطرة بسبب شربك اللبن لسراية ما فيك إليهم بالمناسبة التي بينك وبينهم ؛ ( فاللبن متى ظهر ) في عالم الملكوت أو الملك في يقظة أو منام ( فهو صورة العلم ) ، فمن رأى لبنا ( فهو العلم ) من جملة عالم المعاني ( تمثل في صورة اللبن ) حسية أو خيالية ، ( كجبريل ) « 2 » من جملة عالم الأرواح ( تمثل في صورة بشر سوي ) خيالية ظهر بها لمريم ، فالصور الحسية كالخيالية . [ ولمّا قال عليه السّلام : « النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » « 3 » نبّه على أنّه كلّ ما يراه الإنسان في حياته الدّنيا إنّما هو بمنزلة الرّؤيا للنّائم خيال فلابدّ من تأويله . إنّما الكون خيال * وهو حقّ في الحقيقة والّذي يفهم هذا * حاز أسرار الطّريقة فكان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قدّم له لبن قال : « اللّهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه » « 4 » ؛ لأنّه كان يراه صورة العلم ، وقد أمر بطلب الزّيادة من العلم ؛ وإذا قدّم له غير اللّبن قال : « اللّهمّ بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه » « 5 » ؛ فمن أعطاه اللّه ما أعطاه بسؤال عن أمر إلهي فإنّ اللّه لا يحاسبه به في الدّار الآخرة ، ومن أعطاه اللّه ما أعطاه بسؤال عن غير أمر إلهيّ فالأمر فيه إلى اللّه ، إن شاء حاسبه به ، وإن شاء لم يحاسبه . وأرجو من اللّه في العلم خاصّة أنّه لا يحاسبه به ، فإنّ أمره لنبيّه بطلب الزّيادة من العلم عين أمره لأمّته ، فإنّ اللّه يقول : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] ، وأيّ أسوة أعظم من هذا التّأسّي لمن عقل عن اللّه تعالى ، ولو نبّهنا على المقام السّليمانيّ على تمامه لرأيت أمرا يهولك الاطلاع عليه ، فإنّ أكثر علماء هذه الطّريقة جهلوا حالة سليمان عليه السّلام ومكانته وليس الأمر كما زعموا ] . وإليه الإشارة بقوله : ( ولما قال عليه السّلام : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا به » ، نبّه على أنه كل ما يراه الإنسان في حياته الدنيا ) سواء كان في اليقظة أو المنام ، وأوّله فحقق تأويله بعد اليقظة ، ( إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم ) حتى أن تأويله الواقع في الدنيا من قبيل ما يرى في المنام ؛ لأنه ( خياله ) ، وإن عدّ من المحسوسات الظاهرة ، ( فلابدّ من تأويله ) حتى أن

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) في نسخة : « جبرائيل » . ( 3 ) رواه البيهقي في « الزهد الكبير » ( 2 / 207 ) . ( 4 ) ذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 1 / 136 ) . ( 5 ) رواه النسائي في « السنن الكبرى » ( 6 / 79 ) ، و « عمل اليوم والليلة » ( 1 / 264 ) .