علي بن أحمد المهائمي

471

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

يكن ذلك عن هواه ، فلا ينقص في حق سليمان ، ولا هو يحاسب عليه مع كون سليمان طلبه من ربه بقوله : وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ ص : 35 ] . ويوهم هذا الطلب كونه عن هواه فيقتضي ذوق الطريق ، وفي نسخة : « ذوق التحقيق » بناء على هذا الوهم أن يكون سليمان قد عجل له في الدنيا سؤاله ما ادخر لغيره في الآخرة ، وهو يوجب نقص ذلك من آخرته إذ يحاسب به في جزائه إذا أراده في الآخرة ، فلا يقرر في شأنه هذا الوهم ، وهو ينافي كون ملكه أثر هذين الاسمين ، أي : الرحمن الرحيم ، فرفع اللّه عزّ وجل هذا الوهم في حقّه ، فقال اللّه له : هذا عَطاؤُنا بنسبة العطاء إلى حضرة التعظيم ، وهي حضرة الاسم الجامع للأسماء المعطية ، وهو الرحمن ، ولم يقل ما ينافي جمعيته لك ولا لغيرك ، ثم قال : فَامْنُنْ أي : أعط أو امسك إشارة إلى جمعية نيابته عن اللّه في العطاء والمنع « 1 » . ثم صرّح بإزالة الوهم ، فقال : بِغَيْرِ حِسابٍ ، فدل على أنه لا يحاسب به في الآخرة ، ولا ينقص ذلك من ملك آخرته ، وذوق الطريق ماء يقتضي ذلك إذا كان حصوله من الشيء الذي منشأه هوى السائل لا ما يكون منشأه أمر ربه ، فعلمنا من ذوق الطريق ، وإن لم نجد عليه نصّا من الكتاب والسنة أن سؤاله صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك كان عن أمر ربه ؛ وذلك لأن الطلب إذا وقع لا عن هوى الطالب ، بل عن الأمر الإلهي كان الطالب له الأجر التام في الآخرة من غير أن ينقص حصول مطلوبه في الدنيا شيئا منه في الآخرة على طلبه ، لما فيه من امتثال ربه المقيد لوجوبه أو ندبيته ، ولا هو يجوز أن يكون أجره ما يحصل له من مطلوبه في الدنيا إذ البارئ تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب منه ، وإن شاء أمسك ، والأجر ليس موكولا إلى المشيئة بل محروم الحصول . وإذا لم يكن هذا المعجل أجره على امتثال أمر ربه في سؤاله كان أجره مدخرا في الآخرة ، فيحصل له بتمامه هناك ، فإن العبد قد وفي ما أوجب اللّه عليه من امتثال أمر ربه فيما سأل ، وإن وافق هواه ، لكن لم يكن منشأ سؤاله ذلك بل أمر ربه ، فهذه التوفية من العبد في امتثال الأمر توجب التوفية من الرب في إعطاء الأجر التام في الآخرة والحساب ، والنقص بمقداره في الآخرة ينافي هذه التوفية منه تعالى ، بل لو كان السؤال عن أمر ربه مع هواه جميعا لم يحاسب به ، ولم ينقص في حقه ، كما يشير إليه قوله : « فلو سأل ذلك من هوى نفسه من غير أمر ربه له بذلك لم يحاسبه به » « 2 » ، فنقصه في آخرته كما قال في حقّ

--> ( 1 ) فما نسب إلى العبد إلا الإعطاء أو الإمساك بما لا يحاسب عليه . ( 2 ) في نسخة : « فلو سأل ذلك من نفسه عن غير أمر ربّه له بذلك لحاسبه به » .