علي بن أحمد المهائمي

434

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

في الاسم الجامع الإلهي على مقتضى ما أقام له الحق في مقام التفرقة مقرونة بالجمع ؛ لأن هذا الاقتران كان في الكل أولا ، ثم غلب على كل ما تقتضيه حقيقته ، ثم قيد شهادته عليهم بدوامه فيهم ، فقال : شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [ المائدة : 117 ] ، وإن كان مقتضى الجمع الغالب عليه ألا تنقطع شهادته أبدا ؛ لأن شهادته عليهم ليس باعتبار هذه الجمعية بل باعتبار كونه بينهم ، فتقيد شهادته عليهم بمدة نبوته لهم ؛ ( لأن الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم ) ؛ لأن نبوتهم مقيدة بتلك المدة ، ولا تمكن الشهادة بعد ذلك منهم كما أشار إليه بقوله : فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [ المائدة : 117 ] . ولما كان المشهور في معناه الإماتة ، وهو عليه السّلام حي فسره ، بقوله : ( أي : رفعتني إليك ) ، كما قال عزّ وجل إذ قال اللّه : يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران : 55 ] ، وهذا الرفع وإن قربه من علام الغيوب لا يبقي له شهادة عليهم ، أي : يحجبون عنه عند مزيد استغراقه في الحق ، كما يحجبون عنه مع غاية إشراق نور الحق عليه ، وإليه الإشارة بقوله : ( وحجبتهم عني ) ، فلم يمكنهم مراجعتي في موضع الشبهات ، ( وحجبتني عنهم ) ، فلم يمكنني الاطلاع على أفعالهم القبيحة لأمنعهم عنها ، ( كنت أنت الرقيب عليهم ) . ولما كان ظاهره الحصر مع أن كل واحد مراقب لنفسه قيده بقوله : ( في غير مادتي ) ، فلم أكن رقيبا عليهم ، ولا شهيدا لا بنفسي ولا بك ، ثم قال : ( بل في موادهم ) مع أن شهود الحق للأشياء لا يتوقف على كونه ظاهرا في مادة شخص ؛ لأن المراقبة تقتضي ذلك إذ لا يكون إلا بالبصر الظاهر ، فكأنه قال : كنت أنت الرقيب عليهم في موادهم ، ( إذ كنت بصرهم الذي يقتضي المراقبة ) ، وإن لم يصر بصرهم عين الحق لاختصاص ذلك بالكمّل وهم أهل القصور . ( فشهود الإنسان نفسه ) كاملا أو قاصرا ( شهود الحق إياه ) ، فإنه لما لم يكن وجوده من ذاته كان من ظهور الحق فيه فهو من جملة مظاهره ، ولكن لقصوره لا القصور يتجوز فيه بأنه هو لإشعاره بتناسي التشبيه ، ولا يتأتى في المظاهر القاصرة ، وهذا الشهود وإن كان أعم من المراقبة ؛ لتوقفها على البصر الظاهر دونه لم يستعمله في حق اللّه تعالى مع عموم شهوده باعتبار كونه في مقر غيره ، واعتبار ظهوره في الماديات ، بل ( جعله ) أي : شهود الحق ( بالاسم الرقيب ) المقيد بظهوره في الماديات ، أي : عيسى عليه السّلام ( جعل الشهود ) له أولا ؛ ليشعر بأن كونه شهيدا عليهم لا يتقيد بكونه في مادته أو مادتهم ، بل يشاهدهم في شهود الحق إياهم ، باعتبار التفرقة التي أقام الحق فيها لعيسى عليه السّلام مع الجمعية ، فلو أتى بهذا اللفظ في حق اللّه لالتبس بالحق ، ( فأراد أن يفصل بينه وبين ربه ) بتميز اللفظين المستعملين فيهما ؛ لأنه يدل على أنه إنما يميز بينهما لتمييزهما في الواقع ، ( حتى يعلم أنه هو ) وإن بلغ