علي بن أحمد المهائمي
435
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ما بلغ عند تجلي الحق في مادته ، فإنه يتميز عنه ( بكونه عبدا ) ، وإن الحق وإن ظهر في مظهره ( هو الحق ) تميز عنه ( بكونه ربّا ) ، فلابد مما يشعر بهذا التميز وأقله تميز الألفاظ ، ( فجاء لنفسه بأنه شهيد ، وفي الحق بأنه رقيب ) ؛ ليشعر بأنه باعتبار ظهور الحق فيه ، صار شهوده عامّا بالنظر إلى سابق حاله ، والحق باعتبار ظهوره في مادته ، صار شهوده خاصّا بقدر ما تقتضيه حقيقة عيسى عليه السّلام . [ وقدّمهم في حقّ نفسه فقال : عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [ المائدة : 117 ] ، إيثارا لهم في التّقدّم وأدبا ، وأخّرهم في جانب الحقّ عن الحقّ في قوله : الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) [ المائدة : 117 ] ، لما يستحقّه الرّبّ من التّقدّم بالرّتبة ، ثمّ أعلم أنّ للحقّ الرّقيب الاسم الّذي جعله عيسى لنفسه وهو الشّهيد في قوله عَلَيْهِمْ شَهِيداً [ المائدة : 117 ] ، فقال : وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ المائدة : 117 ] ، فجاء ب كُلِّ [ المائدة : 117 ] للعموم ، وب شَيْءٍ [ المائدة : 117 ] لكونه أنكر النكرات وجاء بالاسم الشّهيد ، فهو الشّهيد على كلّ مشهود بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود ، فنبّه على أنّه تعالى هو الشهيد على قوم عيسى عليه السّلام حين قال : عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [ المائدة : 117 ] ، فهي شهادة الحقّ في مادّة عيسويّة كما ثبت أنّه لسانه وسمعه وبصره ] . ثم أشار إلى مبالغة عيسى عليه السّلام في هذه العبودية بغاية التذلل ؛ فقال : ( وقدمهم ) أي : اللفظ الدال عليهم على اللفظ الدال عليه ( في حق نفسه ، فقال : عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ ) [ المائدة : 117 ] ، وإنما ذكره ؛ ليشير بأن تقدمه في كنت ودمت ؛ لضرورة اتصال الضمير ( إيثارا لهم في التقدم ) الذي أعطيه ، فتعاظم به ، وهو خلاف التواضع اللازم للعبودية ، ( وأدبا ) ؛ لئلا يتكبر على عباد اللّه ، ولو فيهم كافر ، ( وآخرهم في جانب الحق عن الحق ) وإن اعتبر ظهوره فيهم في المراقبة وهو متأخر عنهم في ( قوله : كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) [ المائدة : 117 ] ، كما ( في قوله : وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) « 1 » [ المائدة : 117 ] ، ( لما يستحقه الرب من التقديم بالرتبة ) ، فلابدّ من اعتباره مع اعتبار ظهوره فيهم . ( ثم أعلم ) عيسى عليه السّلام ( أن للحق الرقيب ) أي : الذي خصه عيسى عليه السّلام بهذا الاسم المقيد بكونه عند ظهوره في المادة ، ( الاسم الذي جعله عيسى عليه السّلام لنفسه ) العام ، فهو
--> ( 1 ) هي شهادة الحق في مقام الجمع والإطلاق .