علي بن أحمد المهائمي
433
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ربّي وربّكم شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [ المائدة : 117 ] ؛ لأنّ الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [ المائدة : 117 ] ، أي : رفعتني إليك وحجبتهم عنّي وحجبتني عنهم كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [ المائدة : 117 ] ، في غير مادتي ، بل في موادّهم ، إذ كنت بصرهم الّذي يقتضي المراقبة ؛ فشهود الإنسان نفسه شهود الحقّ إيّاه ، وجعله بالاسم الرّقيب لأنّه جعل الشّهود له ، فأراد أن يفصّل بينه وبين ربّه حتّى يعلم أنّه هو لكونه عبدا في الواقع وأنّ الحقّ هو الحقّ لكونه ربّا له ، فجاء لنفسه بأنّه شهيد ، وفي الحقّ بأنّه رقيب ] . فيقول الحق : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [ البقرة : 110 ] ، ( فهو الآمر المكلف ) اسم الفاعل سواء قاله في مستقر غيره أو في مظهر العبد ، ( والمكلف المأمور ) هو العبد ، وإن كان مظهرا لهذا القول ، ويقول العبد : رَبِّ اغْفِرْ لِي [ الأعراف : 151 ] ، ( فهو الآمر ) الداعي ( والحق المأمور ) بالإجابة ، فهذا التفصيل باعتبار المحل لا باعتبار الأمرية والمأمورية ، ولا باعتبار الأمر نفسه ( فما يطلب الحق من العبد بأمره ) من الامتثال ( هو بعينه ) ما ( يطلبه العبد من الحق بأمره ) ، وإن صار أحد الامتثالين بحسب المحل عبودية والآخر إجابة ، كما كان أحد الأمرين تكليفا والآخر دعاء ؛ ( ولهذا ) أي : ولكون مطلوب كل أمر امتثال المأمور ( كان كل دعاء مجابا ) أي : مقصود إجابته ، ويحتمل أن يقال ؛ ولهذا أي : ولكون مطلوب العبد بالدعاء من الحق مثل مطلوب الحق بالتكليف من العبد ، كان كل دعاء من العبد الممتثل مجابا ، كما يجيب ذلك العبد أمر ربه . ( ولا بدّ ) من إجابة الحق للعبد الممتثل أوامره ، ( وإن تأخر ) زمان وقوعها ، ( كما يتأخر بعض المكلفين ممن أقيم مخاطبا بإقامة الصلاة ) أي : زمان امتثاله ، ( فلا يصلي في وقت ) هو من أوائل أوقات توجه الأمر ، ولكن يقصد فعله آخرا ، ( فيؤخر الامتثال ) قصدا ، ( فيصلي في وقت آخر ) ، فيصير ممتثلا بالفعل ( إن كان متمكنا من ذلك ) الامتثال في ذلك الوقت بعد ما تركه للمطلوب منه مطلقا ، ( فلابدّ من الإجابة ) في حق هذا العبد ( ولو بالقصد ) أي : بقصد فعلها في زمان آخر ، فيأتي بالمطلوب حينئذ ، وأما من لا يمتثل لأمر الحق ولا يقصد ذلك أصلا ، فليس ممن لا بدّ من إجابته ؛ فافهم . ثم قال : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [ المائدة : 117 ] أخذ مقام الجمع لنفسه ومقام الفرق لهم ؛ لأنه لما أقام له الحق في مقام الفرق المقرون بالجمع غلب على كل منهم ما تقتضيه حقيقته من الجمع والتفرقة ، ( ولم يقل : كنت على نفسي معهم ) شهيدا باعتبار التفرقة في الكل مقرونة بالجمعية ، ( كما قال : رَبِّي وَرَبِّكُمْ ) [ هود : 56 ] ، فأخذ التفرقة