علي بن أحمد المهائمي

426

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

عمّا نسب إليها هل هو حقّ أم لا مع علمه الأوّل بهل وقع ذلك الأمر أم لا ، فقال له : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ المائدة : 116 ] . فلا بدّ في الأدب من الجواب للمستفهم ؛ لأنّه لمّا تجلّى له في هذا المقام ، وهذه الصّورة اقتضت الحكمة الجواب في التّفرقة بعين الجمع ، فقال وقدّم التّنزيه : سُبْحانَكَ ، فحدّد بالكاف الّتي تقتضي المواجهة والخطاب ، ما يَكُونُ لِي أَنْ من حيث أنا لنفسي دونك أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ أي : ما تقتضيه هويّتي ولا ذاتي ، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [ المائدة : 116 ] ؛ لأنك أنت القائل في صورتي ، ومن قال أمرا فقد علم ما قال ، وأنت اللّسان الّذي أتكلّم به كما أخبرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربّه في الخبر الإلهي ؛ فقال : « كنت لسانه الّذي يتكلّم به » « 1 » ، فجعل هويّته عين لسان المتكلّم ، ونسب الكلام إلى عبده ، ثمّ تمّم العبد الصّالح الجواب بقوله : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ، والمتكلّم الحقّ ، ولا أعلم ما فيها فنفى العلم عن هويّة عيسى عليه السّلام من حيث هويّته لا من حيث إنّه قائل وذو أثر ، وَلا أَعْلَمُ [ المائدة : 116 ] ، فجاء بالفصل والعماد تأكيدا للبيان واعتمادا عليه ، إذ لا يعلم الغيب إلّا اللّه ، ففرّق وجمّع ووحّد وكثّر ، ووسّع وضيّق ؛ فانظر إلى هذه التّنبئة الرّوحيّة الإلهيّة ما ألطفها وأدقّها أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [ المائدة : 117 ] ، فجاء بالاسم « اللّه » لاختلاف العبّاد في العبادات واختلاف الشّرائع ؛ ولم يخصّ اسما خاصا دون اسم ، بل جاء بالاسم الجامع للكلّ ] . ( فإنه « من عرف نفسه ؛ فقد عرف ربه » الذي ظهر نفسه فيه ) ؛ لأنه إنما يعرف الحق من حيث ما فيه مما يناسب صفاته من الحياة ، والعلم ، والإرداة ، والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، فيظهر له أن هذه الصفات موجودة في ربه ، فيعرف بذلك ربه والعالم مع النفس الرحماني ( كذلك ) ، أي : العالم ظهر في ( النفس الرحماني ) بعد كمونة في أسماء الحق كونا موجبا فيها ما يشبه الكرب ، فأزاله الحق عنها بهذا النفس ( الذي نفس اللّه به عن الأسماء الإلهية ) ( ما ) كانت ( تجده ) مما يشبه الكرب الحاصل لها ( عن عدم ظهور آثارها ) ، فنفس عنها ( بظهور آثارها ) التي هي الصورة الروحانية والجسمانية . ثم أشار إلى فائدة هذه المعرفة بأنها مزيلة لأنواع الكرب كلها ، فقال : ( فامتن على نفسه ) أي : ذاته باعتبار أسمائه التي كانت هذه الذات غالبة عليها قبل ظهور هذه الآثار بما ( أوجده في نفسه ) من آثار أسمائه بأن جعل النفس محل ظهور هذه الآثار الموجب كونها ما

--> ( 1 ) سبق تخريجه .