علي بن أحمد المهائمي

413

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

فوقع الخلاف بين أهل الملل في عيسى ما هو ؟ فمن ناظر فيه من حيث صورته الإنسانيّة البشريّة فيقول : هو ابن مريم ، ومن ناظر فيه من حيث الصّورة الممثّلة البشريّة فينسبه لجبرائيل عليه السّلام ؛ ومن ناظر فيه من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى فينسبه إلى اللّه بالرّوحيّة فيقول : روح اللّه ، أي : به ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه ، فتارة يكون الحقّ فيه متوهّما اسم مفعول ، وتارة يكون الملك فيه متوهّما ، وتارة تكون البشريّة الإنسانيّة فيه متوهّمة : فيكون عند كلّ ناظر بحسب ما يغلب عليه ، فهو كلمة اللّه ، وهو روح اللّه ، وهو عبد اللّه ، وليس ذلك في الصّورة الحسّيّة لغيره ، بل كلّ شخص منسوب إلى أبيه الصّوري لا إلى النّافخ روحه في الصّورة البشريّة ] . ( كما كان جبريل في صورة البشر ولا نفخ ، ثم نفخ ففصل ) تأخر النفخ عن صورة بشريته ( بين الصورة والنفخ ) ، فلم تكن جهة صورة البشرية في جبريل عين النفخ ، وإن تقرر أنه ( كان النفخ من الصورة ) البشرية لا تتصور بدونها ، ومع ذلك لا يكون النفخ عنها لتأخره عنها ، ( فقد كانت ) الصورة البشرية لجبريل لما تمثل لها بشرا سويّا ( ولا نفخ ) . قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، ف قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [ مريم : 18 ، 19 ] ، فخلف مدة هذه المقالة عن النفخ مع تحقق الصورة البشرية له هذه المدة . ( ثم نفخ ) وهو في هذه الصورة ، فلو كانت الصورة البشرية عين النفخ أو عين بعضها لكان النفخ ذاتيّا لها ، فلا توجد بدونه لكنه وجدت الصورة بدونه ، ( فما هو ) أي : الأمر والشأن ( النفخ من حدها الذاتي ) لامتناع المقارنة فيه في الأحوال والأزمنة كلها ، فكذلك يحكم بالتغاير بين جهة بشرية عيسى عليه السّلام ، والإحياء الذي به تتوهم إلهيته ، وكيف يحكم على هيئته بالإلهية التي هذا الإحياء بعض صفاتها لا كلها ، وأنه ليس له من الإحياء سوى هذا النفخ الذي يشبه نفخ جبريل ، وكما لم يكن هذا النفخ عن جهة البشرية ، فكذا عيسى عليه السّلام للإحياء ليس عين جهة البشرية ؛ فافهم . وقد وقعت الحيرة فيه من حيث كونه بشرا يحيي الموتى لا بشريته الإنسانية الحقيقية التي في أمه ، والصورة الممثلة التي كانت في جبريل حين نفخ روحه في أمه إحيائه أنه من كون روحه من اللّه ، وكونه من جبريل ، ( فوقع الخلاف بين أهل الملل في عيسى ) صورته الإنسانية البشرية ، ( فمن ناظر فيه من حيث صورته الإنسانية ) الحقيقية لا باعتبار جمعيتها في ظاهره الجسماني وباطنه الروحاني ، بل من حيث ( البشرية ) فقط ، ( فيقول : هو ابن مريم ) ويقتصر على وهم اليهود ، ( ومن ناظر فيه من حيث الصورة البشرية ) التي ظهر بها جبريل عند النفخ ، وقيد البشرية ؛ ليشعر بأن نظره أيضا باعتبار الظاهر ، ( فينسبه لجبريل )