علي بن أحمد المهائمي
337
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
تنكرها الخلق ، ويقولون : نعوذ باللّه منك لست ربنا ، ثم يتجلى في صورة يعرفونها ؛ فيقولون : أنت ربنا ، ويسجدون له ، هذا حاصل ما في صحيح مسلم فدلّ على أنه لا يتسع لجميع تجلياته كما لا يتسع للخلق مع الحق ، ( وأن الحق تعالى إذا وسعه القلب لا يسع معه غيره من المخلوقات ) ، ولو في حق الكامل الذي لا يحجبه الحق عن الخلق وبالعكس ، ( فكأنه ) أي : ما تجلى فيه من صورة الحق ( يملؤه ) ، وإن كان في نفسه واسعا لا تنقاس جميع تجلياته ولا تنقاس صور الخلق معه ، بحيث يمكنه الالتفات إلى ذلك في الجملة « 1 » . وعلى هذا الوجه ( معنى هذا ) أي : عدم اتساعه للخلق مع الحق ، ( أنه إذا نظر ) أي : التفت ( إلى الحق عند تجليه له لا يمكن أن ينظر معه إلى غيره ) من المخلوقات ، وإن كانت صورهم منتقشة فيه ؛ لأنه لبساطته وجد أن الفعل ، فلا يمكنه الالتفات إلى صورة للخلق مع الالتفات إلى غيرها من صور الخلق ، وإن كان الكل منتقشا فيه ، بحيث لا يحتاج في تحصيلها إلى تعمل وتذكر . ولذلك قلنا : ( قلب العارف من السعة ) لصور الخلق والحق ، ( كما قال أبو يزيد البسطامي : لو أن العرش وما حواه ) العرش من الكرسي إلى العرش ( مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به ) ، وهذا يدل على انتقاش الكل فيه مع أنه لا يمكنه الالتفات إليه مع التفاته إلى الحق . ولذلك ( قال الجنيد في هذا المعنى : إنّ المحدّث إذا قرن مع القديم لم يبق له أثر ) ، كما لا يبقى لصور المسرح والكواكب أثر عند إشراق الشمس ، ولفظ « قرن » دلّ على أنه منتقش ، لكنه غير ملتفت إليه ، وبيّنه الشيخ - رحمه اللّه - بقوله : ( وقلب يسع القديم ) الذي لا يتناهى لا يضيق عن شيء ، لكنه ( كيف يحس بالمحدث موجودا ) مع أن وجود المحدث ظل لوجود القديم ولا ظلّ مع إشراق الشمس بلا حجاب ، ولذلك ورد حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهي إليه بصره من خلقه « 2 » . [ وإذا كان الحقّ يتنوّع تجلّيه في الصّور فبالضّرورة يتّسع القلب ويضيق بحسب الصّورة الّتي فيها التّجلّي الإلهيّ ، فإنّه لا يفضل عن القلب شيء عن صورة ما يقع فيها التّجلّي ، فإنّ القلب من العارف أو الإنسان الكامل بمنزلة محلّ فصّ الخاتم من الخاتم لا يفضل بل يكون على قدره وشكله من الاستدارة ، إن كان الفصّ مستديرا أو من التّربيع والتّسديس والتّثمين وغير ذلك من الأشكال إن كان الفصّ مربّعا أو مسدّسا أو مثمّنا أو ما كان من الأشكال ، فإنّ محلّه من الخاتم يكون مثله لا غير ] .
--> ( 1 ) ورد في حديث ذكره العجلوني ( 2 / 129 ) قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « القلب بيت الرب » . ( 2 ) سبق تخريجه .