علي بن أحمد المهائمي
333
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الفصّ الشّعيبي فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية « 1 » [ اعلم أنّ القلب - أعني : قلب العارف باللّه - هو من رحمة اللّه ، وهو أوسع منها ؛ فإنّه وسع الحقّ جلّ جلاله ورحمته لا تسعه ، هذا لسان العموم من باب الإشارة ، فإنّ الحقّ راحم ليس بمرحوم فلا حكم للرّحمة فيه ، وأمّا الإشارة من لسان الخصوص فإنّ اللّه تعالى وصف نفسه بالنّفس بفتح الفاء وهو من التّنفيس ، وأنّ الأسماء الإلهيّة عين المسمّى وليس إلّا هو ، وأنّها طالبة ما تعطيه الحقائق ، وليست الحقائق الّتي تطلبها الأسماء إلّا العالم ؛ فالألوهيّة تطلب المألوه ، والرّبوبيّة تطلب المربوب ، وإلّا فلا عين لها به وجودا وتقديرا ] . أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بالقلب من حيث إنه مع وحدته واسع لظهور كل كثرة فيه ، ظهر ذلك العلم بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى شعيب عليه السّلام لتشعب دعوته الواحدة أي : تسوية الميزان بقوله : أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [ هود : 85 ] ، إلى شعيب كثيرة في الاعتقادات والاختلاف والأعمال إذ لكل شيء منها ميزان خاص يستقيم به إذا روعي ، ويميل إلى طرفي الإفراط والتفريط إذ أخل به على ما سيشير الشيخ - رحمه اللّه ، وهي من أعمال القلب أو القوة المستمدة منه ومشابهة له في التوسط لتوه بين الروح والنفس ، فبيّن أولا سعته لما لا بتناهي من صور الكثرة حتى أنه أوسع من أصله ليتيسر تصور سعة الكثرة الحاصلة عن ضيق الوحدة في أوهام العامة . فقال : ( اعلم أن القلب أي : قلب العارف باللّه ) إذ قلب غيره ، وإن أحاط بالعلوم الرسمية العقلية والنقلية ضيق عن الأمور الغير المتناهية ، والمقصود بيان سعته ، وهو المسمى بالقلب في قوله تعالى : لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] ( هو من رحمة اللّه ) ضرورة أن الموجودات كلها من رحمته ، ولكن ( هو أوسع ) في إيجاد الصور كلها ( منها فإنه وسع الحق ) أي : صورة في الذهن الذي له إيجاد الصور فيه ، ( ورحمته لا تسعه ) إذ لا تصوره في الخارج الذي لها إيجاد الصور فيه ، ولا في الذهن الذي ليس لها إيجاد شيء منها فيه . ولذا قال عليه السّلام عن ربه : « ما وسعني أرضي ، ولا سمائي ، ولكن وسعني قلب عبدي
--> ( 1 ) انظر : نقد النصوص ( ص 126 ) ، وشرح الفصوص ( ص 278 ) كلاهما للجامي .