علي بن أحمد المهائمي
332
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
[ فمن فهم هذه الحكمة وقرّرها في نفسه وجعلها مشهودة له أراح نفسه من التّعلّق بغيره وعلم أنّه لا يؤتى عليه بخير ولا بشرّ إلّا منه ، وأعني بالخير ما يوافق غرضه ويلائم طبعه ومزاجه ، وأعني بالشّرّ ما لا يوافق غرضه ولا يلائم طبعه ولا مزاجه ، ويقيم صاحب هذا الشّهود معاذير الموجودات كلّها عنهم ، وإن لم يعتذروا ، ويعلم أنّه منه كان كلّ ما هو فيه كما ذكرناه أوّلا في أنّ العلم تابع للمعلوم ، فيقول لنفسه إذا جاءه ما لا يوافق غرضه : يداك أوكتا ، وفوك نفخ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [ الأحزاب : 4 ] ] . ( فمن فهم هذه الحكمة ) أي : حكمة تكوين الشيء نفسه ، وتأثير عينه الثابتة فيه ، وإن كان بأمر ربه ( وقرّرها في نفسه ) بحيث لا يزول عنه بعارض من العوارض ، إذ لو زالت لم تسترح ، وذلك إذا ( جعلها مشهودة له ) بحيث يدركها بالذوق ( أراح نفسه من التعلق بغيره ) ؛ فلا يقول : لو فعلت كذا لكان كذا ، أو أن اللّه تعالى أو الشيطان أو فلانا فعل في كذا ؛ وذلك لأنه ( علم ) ذوقا يقينا ( أنه لا يؤتى عليه بخير ، ولا بشر إلّا منه ) أي : من باطنه من حيث الاقتضاء والتكوين ، ولست أعني بالخير ما هو كمال الشيء ومطلوبه . إذا لكل من كمالات الأعيان ومطالبها ؛ فلا يتصور الشر في مقابلته ، بل ( أعني بالخير ما يوافق غرضه ، وما يلائم طبعه ومزاجه ، وأعني بالشر ما لا يوافق غرضه ، ولا يلائم طبعه ولا مزاجه ) ، وإن كان خيرا بالنظر إلى كونه كمالا في نفسه ، ومطلوبا للأعيان الثابتة ، ويفهم منه أن ما يوافق البعض منها دون البعض ؛ فهو خير من وجه ، وشر من وجه ، ( ويقيم صاحب هذا الشهود معاذير الموجودات كلها عنهم ) بأن تلك المقتضيات ذاتية لهم لا يمكنهم تغييرها ، ( وإن لم يعتذروا ) أي : وإن لم يقبل عذرهم هذا في ردّ العذاب عنهم ، وذلك أنه ( يعلم أنه منه كان ) بالاقتضاء والتكوين ( كلّ ما هو فيه ) من العذاب والكفر والمعاصي ؛ فلا يكون هذا حجة له بل عليه ( كما ذكرناه أولا ) أنّ الحكم الإلهي وأمره بالتكوين تابع للعلم ، ( وأنّ العلم تابع للمعلوم ) ، فالحكم والأمر تابعان له . ( فيقول ) صاحب هذا الشهود ( لنفسه إذا جاءه ما لا يوافق غرضه ) فيه إشارة إلى أن ما يوافق الغرض ، وإن لم يوافق الطبع والمزاج يسمى خيرا وضده شرّا بذلك الظاهرة والباطنة ( يداك أوكتا ) ، أي : شدتا الفيض بتقديره بمقدار عينك الثابتة ، وتكوينه بذلك المقدار فيك ، ( وفوك ) أي : لسان حال عينك الثابتة ( نفخ ) في التجلي الإلهي لتشتعل به عينك الثابتة بمقتضاها ( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [ الأحزاب : 4 ] ) . ولما كانت الحكمة الفتوحية تفتح عن الكثرة الكائنة في الوحدة ، وكان القلب مع وحدته قابلا لظهور كل كثرة فيه عقبها بالحكمة القلبية ؛ فقال :