علي بن أحمد المهائمي
322
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( فكان هو ) أي : اتصف بالوجود وتعين به ( فنسب التكوين إليه ) ، بأن جعل صفة له لا للحق كما هو مذهب الأشعري خلاف ما يتوهمه الماتريدي زعما منه ، بأنه لو كان صفة للحادث لكان حادثا ، وكل حادث إنّما يحدث بالتكوين ، فالتكوين إنّما يحدث بالتكوين ، ويتسلسل أو ينتهي إلى تكوين قديم هو صفة للحق وهو المطلوب . وأجاب الشيخ من جهة الأشعري بأن هذا إنّما يقال في الأمور الموجودة ، وهذا التكوين من صفات الأعيان الثابتة التي هي معدومة في الخارج ، ثابتة في العلم الإلهي ، فكان قابل لها أيضا ، فهذا الوصف أيضا ثابت لها في العلم الأزلي كأنه موجود بالقوة غير محتاج إلى تكوين آخر القول ، فلو لا أنه وإن لم يستقبل بذلك قيد بذلك ؛ لأن ما بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلّا بأمر منفصل ، إذ لو كفي نفس ما فيه بالقوة في الإخراج لم يكن فيه بالقوة أصلا ، بل كان بالفعل من أول الأمر ما يكون ، أي : ما اتصف بالوجود ؛ لأن غاية ما يتصور من الحق إرادته وأمره لا مباشرة العمل لافتقارها إلى الحركة ، ولا يتصور من الحق ، فالمباشرة إنّما حصلت من المأمور بامتثال أمر سيده بالخروج من القوة إلى الفعل . ( فما أوجد ) أي : أخرج إلى الفعل ( هذا الشيء بعد أن لم يكن بالفعل ) ، فيه إشارة إلى أن التكوين ، وإن كان فيه بالقوة دائما فلا يلزم وجوده في الأزل ؛ لأنه لم يخرج إلى الفعل إلّا بالأمر ، ولذلك قال : ( عند الأمر بالتكوين إلا ) هو ( نفسه ) ، وإن لم تكن نفسه المعدومة علة لوجوده ولا تكوينه ؛ لأنهما عدميان بل هو الأمر الإلهي الموجود والتكوين من الإضافات التي هي غير موجودة ، فلا يجعل من صفات الحق كما يقوله المعتزلة في العالمية والقادرية ؛ لأن صفاته تعالى موجودة قديمة قائمة بذاته . ( فأثبت الحق تعالى التكوين للشيء نفسه ) ؛ لأنه معدوم ثابت للشيء ( لا للحق ) الذي هو بذاته وصفاته موجود قديم ، ( والذي للحق فيه ) أي : في التكوين حيث قيل فيه أنه مكون الأشياء وخالقها ( أمره خاصة ) ؛ لأنه من الموجودات التي صحّ كونها من صفات الحق ، ( وكذا ) أي : كما قلنا بأن صفة الحق إرادته وأمره لا التكوين ، ( أخبر الحق عن نفسه في قوله : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ) فأثبت الإرادة والقول لنفسه والتكوين للشيء ، فإن الضمير في قوله : فَيَكُونُ إنّما يعود إلى الشيء هو نفسه ، ولكن ذلك ليس علة وجوده بل هي ( أمر اللّه ) فهو إنّما تكون عن أمر اللّه لا بتكوين نفسه . ثم قال الشيخ - رحمه اللّه : ( وهو ) أي : اللّه تعالى ( الصادق ) فيما أخبر عن نفسه ، فلا يصدق في مقابلة إخباره قول الماتريدي ، وكيف لا يصدق ، ( وهذا هو المعقول في نفس الأمر ) في امتثال جميع الأوامر ، فإنه لا يصدر المأمور به من الأمر ، وإن كان قاهرا ، وإليه