علي بن أحمد المهائمي
314
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الفيل ، وما كانوا قد شاهدوا صورته ، فقالوا : لا بدّ من معرفته باللمس الذي نقدر عليه ، فلما لمسوه وقع يد بعضهم على رجله ، ويد بعضهم على نابه ، وبعضهم على أذنه ، فقالوا : قد عرفناه ، فلمّا انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلفت أجوبتهم ، فقال الذي لمس الرجل : إنه مثل أسطوانة خشنة الظاهر إلّا أنه ألين منها ، وقال الذي لمس الناب : بل هو صلب لا لين فيه ، وأملس لا خشونة فيه ، وليس في غلظ الأسطوانة أصلا بل هو عمود ، وقال الذي لمس الأذن : هو لين وفيه خشونة ، ولكن ما هو مثل عمود ولا مثل أسطوانة ، وإنّما هو مثل جلد غليظ عريض ، فكل واحد أخبر عما أصابه من معرفة الفيل ، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل ؛ فاستبصر بهذا المثال ، واعتبر به ؛ فإنه مثال أكثر ما اختلفت فيه آراء الناس . وهذا المعنى منصوص في الكتاب العزيز الإلهي ، ( فإنه تعالى يقول : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ) وجه الاستدلال أنه ( ما ذكر ) للتولي إليه ( أينا ) متميز ( من أين ) ، فيصح التولي والتوجه إليه في كل أين ، أي : في كل معتقد دلّ عليه العقل أو الشرع أو الكشف ، وإنّما قلنا : المراد التوجه إليه لا إلى القبلة ؛ لأنه ( ذكر أن ثمّ وجه اللّه ووجه الشيء هو حقيقته ) ، فالتوجه إلى كل أين توجه إلى حقيقة الحق ، فينبغي أن يقصد في التوجه إلى كل أين حقيقة الحق الظاهرة في ذلك الأين ، ولكن لا يعبد الأين ، ولا ما يظهر من الأرواح الشيطانية أو غيرها ، ولا يعتقد في ذلك رؤية الحق الصريح إلّا بالخواص المذكورة ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . وإذا كان في كل أين وجه ، والناس لا يخلون عن التوجه إلى أين ، ( فنبّه بهذا قلوب العارفين ) أن يتوجهوا إليه في كل ما يتوجهون إليه من أشغالهم ، ( لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا ) ، فيكونوا غافلين عن الحق ، وربما يفاجئهم الموت على هذه الحالة ؛ ( فإنه لا يدري العبد في أي نفس يقبض ، فربما يقع القبض في وقت غفلة ) ، فيقع الحجاب بينه وبين ربه ، وبالجملة ( فلا يستوي مع من يقبض على حضور ) ، وقد ورد كما يموتون يبعثون ؛ فيكون الحاضر كالمتوجه إلى الحق وغيره كالمستدبر عنه ، وفيما ذكره من التنبيه إشارة إلى ما ذكرنا أي : أنه ليس ليعبده أهل الحق في جميع تلك الصور . [ ثمّ إنّ العبد الكامل مع علمه بهذا يلزم في الصّورة الظاهرة والحال المقيّدة التّوجّه بالصّلاة إلى شطر المسجد الحرام ، ويعتقد أنّ اللّه في قبلته حال صلاته ، وهي بعض مراتب وجه الحقّ في فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ؛ فشطر المسجد الحرام منها ، ففيه وجه اللّه ، ولكن لا تقل هو هاهنا فقط ، بل قف عندما أدركت ، والزم الأدب في الاستقبال شطر المسجد الحرام ، والزم الأدب في عدم حصر