علي بن أحمد المهائمي
315
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الوجه في تلك الأينيّة الخاصّة ، بل هي من جملة أينيّات ما تولّى متولّ إليها ، فقد بان لك عن اللّه أنّه في أينيّة كلّ وجهة ، وما ثمّ إلّا الاعتقادات فالكلّ مصيب ، وكلّ مصيب مأجور ، وكلّ مأجور سعيد ، وكلّ سعيد مرضيّ عند ربّه ، وإن شقي زمانا في الدّار الآخرة ، فقد مرض ، وتألّم أهل العناية مع علمنا بأنّهم سعداء أهل الحقّ في الحياة الدّنيا ، فمن عباد اللّه من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمّى جهنّم ، ومع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الّذين كشفوا الأمر على ما هو عليه أنّه لا يكون لهم في تلك الدّار نعيم خاص بهم ، إما بفقد ألم كانوا يجدونه فارتفع عنهم فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان ذلك الألم ، أو يكون نعيم مستقلّ زائد كنعيم أهل الجنان في الجنان ، واللّه أعلم ] . ( ثم إن العبد الكامل ) الذي اعتقاده هيولى صور المعتقدات ( مع علمه بهذا ) أي : بكونه في كل أين لا يكفيه ذلك بحسب الأحوال كلها ، بل ( يلزمه في الصورة الظاهرة ) وإن كان في الباطن متوجها إلى ما هو هيولى ، صور المعتقدات كلها ( والحال المقيدة ) وهي حال الصلاة في الأمن غير النافلة ، حالة السير في السفر إلى مقصد معين ، ( التوجه بالصلاة إلى شطر المسجد الحرام ) لكونه أول بيت وضع للناس ، أي : لعبادتهم التي خلقوا لها ، وقد كان مبدأهم الترابي من تلك الجهة ، فأشبه المبدأ الروحاني ، ولذلك يلزمه أن ( يعتقد أنّ اللّه ) ظهر ( في قبلته ) ظهورا يوجب التوجه إليها في عبادة الحق ، ولكن لا نعبد القبلة نفسها ، ولا نعتقد ألوهيتها ، وإلّا لم يختص وجوب هذا الاعتقاد ( حال صلاته ) ، ولكن النص خصصه بها . قال عليه السّلام : « إذ قام أحدكم إلى الصلاة ؛ فلا يبصقن قبل قبلته فإن اللّه في قبلته » « 1 » . وفي رواية : « إن أحدكم إذا قام في الصلاة ، فإنما يناجي ربه ، وإنّ ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقنّ أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو يمينه » « 2 » . ( وهي ) وإن كان موجبا للتوجه إليه والإيمان به ( بعض مراتب وجه الحق ) كسائر مراتبه الكاملة من الأنبياء والملائكة واليوم الآخر وغير ذلك مما يجب الإيمان به ، ولا تكفي الاعتقادات بدونها ؛ لأنها داخلة ( في ) قوله تعالى : ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ) لكن هذه وجوه خاصة ، ( فشطر المسجد الحرام منها ففيه وجه اللّه ) بنهج خاص يمنع التوجه إلى ما سواه ، ( ولكن لا تقل هو هاهنا فقط ) ، أي : في شطر المسجد الحرام ، وكذا لا تقل في تلك المظاهر الملائكة والنبوة كما قالت النصارى في المسيح والصابئون في الملائكة ( بل قف عندما أدركت ) من كونه وجها خاصا يوجب التوجه .
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 159 ) .