علي بن أحمد المهائمي

313

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

معتقد ) من أهل الحق أو الباطل ( إلها إلّا بما جعل في نفسه ) أي : أحدث صورته في نفسه ، سلمنا أنه لا يحدث تلك الصورة ، ولكن ( الإله ) من حيث هو ( في الاعتقادات ) لا يكون إلّا من عوارض النفس أو الروح أو القلب ، فلا يكون إلّا ( بالجعل ) ؛ لأن معرضه مجعول ، فالعارض أولى ، ( فما رأوا ) عند تجلي الحق في صورة معروفة أو منكرة ( إلّا نفوسهم وما جعلوا فيها ) كيف ولو كوشف لهم عن الحق الصريح انعكست صورهم إلى مرآته فما يرون إلّا صورهم عند رؤيتهم الحق ، فعلم أن التجلّي لكل شخص على مقدار علمه ، ( فانظر مراتب الناس في العلم باللّه ) هو أي : ذلك العلم بحسب مراتبه ( عين مراتبهم في الرؤية يوم القيامة ) ، وكيف لا ( وقد أعلمتك بالسبب الموجب ) لكون الرؤية على مقدار العلم ، وهو أن نفسه يتصف ( لذلك ) العلم ويتصور به ، وتلك الصورة تنعكس إلى مرآة الحق فتراها عند رؤية الحق ، وإذا كانت الرؤية يوم القيامة التي هي أقصى المطالب للكمّل على مقدار العلم وصورة الاعتقاد . ( فإياك أن تتقيد ) في اعتقادك ( بعقد مخصوص ) من الاعتقادات التي دلّ عليها الشرع أو الكشف أو العقل ، ( وتكفر بما سواه ) مع ثبوته بأحد ما ذكر ( فيفوتك خير كثير ) من فوائد التجليات المختلفة ، ومن التجلّي الجامع ومن التطبيق بين دلائل العقل والشرع والكشف ، ( بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه ) ؛ لأن هذه الدلائل كلها صادقة ، فمخالفة واحد منها توجب الجهل الموجب للحجاب الموجب للعذاب ، والعياذ باللّه من ذلك . ( فكن ) معتقدا اعتقادا منطبعا ( في نفسك هيولى ) قبول ( لصور المعتقدات ) أي : معتقدات أهل الأدلة العقلية أو الشرعية أو الكشفية ( كلها ) دائما ، قيدنا الاعتقاد بإحدى الدلائل ؛ لأن ما خالفها ليس من الاعتقادات التي فيها عقد القلب وجزمه لتزلزله بأدنى شيء ، إذ لا تستند إلى دليل ، فإن حصل فيه الجزم فهو كلا جزم ، وذلك بأن يعتقد أنه في ذاته منزّه عن الصور كلها ، وفي الظهور يتصور بكل صورة مخصوصة ، فهذا الاعتقاد لغاية سعته أليق بالحق ، ( فإنّ الإله تبارك وتعالى أوسع ) في التجلي ( وأعظم أن يحصره عقد دون عقد ) ، فإنّ العقود بحسب علم المعتقدين وإفهامهم وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . وهذا ما أشار إليه الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتاب « التوبة في بيان وجوب التوبة وفضلها » « 1 » أنّ جماعة من العميان سمعوا أنه قد حمل إلى البلد حيوان عجيب يسمى

--> ( 1 ) انظر : ( 3 / 110 ) .