علي بن أحمد المهائمي
312
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
في القيامة ( بعين نفسه ، فذلك الجاهل ) الذي منع القول بظهوره في المظاهر ، وانتظر الرؤية من غير مثال في التنزيه المحض ولو حصل انعكست صورة الرائي فيحجبه ، ولذلك قال تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] . ( وبالجملة ) أي : سواء كان الشخص عارفا أو غير عارف ، أو جاهلا ( فلابدّ لكل شخص من عقيدة في ربه ) يأخذها من العقل والنقل من الكتاب أو السنة أو الكشف لا عن هواه ، ولا عن تقليده الجهّال ، إذ قصده من ذلك أنه ( يرجع بها إليه ) في عبادته ( ويطلبه فيها ) في دعواته ، فلا ينبغي أن يتقيد من ذلك بعقد مخصوص مع ورود الشرع والكشف بالجميع ، ( فإذا تجلّى له الحق فيها ) ، أي : في صورة عقيدته ( عرفه ) بقلبه ( وأقرّ به ) بلسانه ، فاستبشر ( وإن تجلّى له في غيرها أنكره ) بقلبه ( وتعوذ منه ) بلسانه . وهو بهذا الإنكار والتعوذ ( أساء الأدب عليه في نفس الأمر ) ؛ لأنها صورة نسبها إلى نفسه ، وقد خالفه هذا المنكر ( وهو عند نفسه ) ، أي : في اعتقاده ( أنه قد تأدب معه ) إذ نزّهه عن الصور التشبيهية ، وليس من هذا القبيل الإنكار على الإنسان والشيطان في دعوى الربوبية ؛ لأنهما يدعيان الربوبية لأنفسهما ، والصورة المتجلى فيها إنّما تدّعي الربوبية لربها لا لنفسها ، فإن ادّعت فهي دعوى ربها كما في شجرة موسى عليه السّلام ، وكذا الإنكار على الشيطان إذا سول للإنسان في خياله صورة وزعم أنها هي الحق ؛ لأن الإنكار عليه من حيث إنّ الحق لم يتجل عليه في تلك الصورة بنسبتها إليه ، إذ لو تجلى فيها كذلك لحصل في ذلك التجلي خواص من سماع كلامه من كل جهة ، وبكل حاسة ، ورؤيته المتكلم والمجيب جميعا ، كما حكي في قصة موسى عليه السّلام ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . [ فلا يعتقد معتقد إلها إلّا بما جعل في نفسه ؛ فالإله في الاعتقادات بالجعل ، فما رأوا إلّا نفوسهم ، وما جعلوا فيها ، فانظر مراتب النّاس في العلم باللّه هو عين مراتبهم في الرّؤية يوم القيامة ، وقد أعلمتك بالسّبب الموجب لذلك ، فإيّاك أن تتقيّد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه ، فيفوتك خير كثير ، بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه ، فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلّها ؛ فإنّ الإله تبارك وتعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد فإنّه يقول : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ، وما ذكر أينا من أين ، وذكر أنّ ثمّ وجه اللّه ، ووجه الشّيء حقيقته ، فنبّه بهذا قلوب العارفين لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدّنيا عن استحضار مثل هذا ، فإنّه لا يدري العبد في أيّ نفس يقبض فقد يقبض في وقت غفلة فلا يستوي مع من يقبض على حضور ] . ثم أشار إلى أنه لا وجه للإنكار على تلك الصورة من حيث هي مجعولة ، ( فلا يعتقد