علي بن أحمد المهائمي
311
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وصفته بخلع الصور عن نفسه ) ، وهو ما ورد أن اللّه تعالى يتجلّى يوم القيامة للخلق في صورة تنكر ، فيقول : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] فيقولون : أعوذ باللّه منك ثمّ يتجلّى في صورة عقائدهم فيسجدون له ، وإذا كان الكل من مراتب الحق مع أن له التحول في الصور ولا صورة للأعيان من حيث هي عدم ، ( فلا تنظر العين ) في مرآة الحق والخلق ( إلّا إليه ) ، ولا يختص ذلك بالرؤية بل ( لا يقع الحكم إلّا عليه ) ، سواء كان الحكم بالرؤية أو غيرها ، إذ المعدوم من حيث هو معدوم لا يثبت له حكم ، فلا حكم على الأعيان بالرؤية وغيرها ، إذ المعدوم من حيث هو المعدوم لا يثبت له حكم ، فلا حكم على الأعيان بالمراتبة وغيرها ، إلّا باعتبار ثبوتها في علمه الذي لا يغايره من كل وجه . ( فنحن ) أي : الأعيان ثابتون ( له ) ، وقائمون ( به ) ؛ لأن كثبوت العرض للجوهر وقيامه به ، وذلك لأنّا ( في يديه ) ومحل تصرفه ، وما كان من صفاته ليس محل تصرفه ، ولكن ( في كل حال فإنا لديه ) كما قال : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] فكأنا ملتبسون به التباس الصفة بالموصوف ، ( ولهذا ) أي : ولكوننا لديه التبس أمره التباس الخمر بالزجاج ، فتارة ( ينكر ) ؛ فيقال : المرئي هو الحق ، وتارة ( يعرف ) فيقال : الوجود ، إمّا ذاته أو صوره القائمة به الآن الكائنة فيه بالقوة قبل الآن ، ( وينزه ) إذا أنكر فيقال : لا صورة له في ذاته ، فكيف يظهر بهذه الصور ، ( ويوصف ) الظهور إذا عرف أنه ، وإن تنزّه عن الصور في ذاته فله أن يتصور بأي صورة شاء كما تصور جبريل بصورة دحية الكلبي . وقد ورد تحول الحق في الصور ، وورد أيضا : « مرضت ؛ فلم تعدني ، وجعت ؛ فلم تطعمني » « 1 » ، « وكنت سمعه وبصره » « 2 » ، ولا بأس بما يلزمه من شبه التماثل ؛ فإنّه لازم لاتصافه بصفاته من الحياة والعلم والإرادة والقدرة وغيرها ، وإذا كان لا ينظر العين إلّا إليه ولا يقع الحكم إلّا عليه ، ( فمن رأى الحق منه ) فيه ( بعينه ) بأن يكون هو الرائي والمرئي وقوة البصر ، ( فذلك العارف ) الذي عرف أنّ ما عداه عدم صرف لا يصلح لشيء من ذلك . ( ومن رأى الحق منه ) فيه ( بعين نفسه فذلك غير العارف ) ؛ لأنه وإن كان جعله الرائي والمرئي لكن أثبت قوة البصر لنفسه ، ظنّا منه أنها لو كانت أيضا للحق ، فهو رأى نفسه بنفسه في الأزل ، فنقول : عينه في الأول صفته ، وهذا العين مظهرها كالرائي مظهر الرائي الحق ، فلذلك تتفاوت الرؤيتان لا محالة . ( ومن لم ير الحق منه ) ولا فيه ، فلم يجعله الرائي ولا المرئي الآن ، ( وانتظر أن يراه )
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه .