علي بن أحمد المهائمي

302

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

مع غاية قربه لا يتلذذون به لما حجتهم اعتقاداتهم الفاسدة وأعمالهم الباطلة . ( وأي بشارة أعظم للخلق من هذه ؟ ) بأنهم يصلون إلى ثمرات اعتقاداتهم وأعمالهم ، ( ثم ) أي : بشارة أعظم ( من امتنان اللّه علينا أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه ) أي : عن هود عليه السّلام كامل المعرفة ( في القرآن ) الجامع لأسرار المعارف ، ( ثم تممها ) أي : البشارة ( الجامع للكل ) أي : لمعارف كل نبي مع ما خصّ به ( محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بما أخبر به عن الحق ) من قوله : « كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه » ؛ فبين غاية قربه ( بأنه عين السمع والبصر واليد والرجل واللسان أي : هو عين الحواس ) بل عين الأعضاء مع عدم تجردها الموجب للبعد ، ( والقوى الروحانية ) لتجردها ( أقرب ) إلى الحق ( من الحواس ) فضلا عن الأعضاء ، ( فاكتفى ) صلّى اللّه عليه وسلّم في بيان غاية القرب بذكر ب ( الأبعد المحدود ) مع أن الحق غير محدود في نفسه ( عن الأقرب المجهول الحد ) ؛ لأنها وإن حدث بالتجرد فالتجرد عدمي ، فلا يعرف به حدها فكأنه عليه السّلام بين قربه من كل شيء بأنه عينه ، ولم يوقفه على الوصول إلى غاية الصراط المستقيم كما فعله هود عليه السّلام فكان قوله أتم . ( فترجم الحق لنا ) أهل الكمال ( عن نبيه هود عليه السّلام مقالته ) تكميلا لها إذ كانت قاصرة حيث قالها لقومه القاصرين ( بشرى لنا ) بأنها إذا كانت في حقهم على قصورهم فأنتم مع كمالكم أولى بذلك ، ( وترجم رسول اللّه ) صلّى اللّه عليه وسلّم لغاية كماله وقيامه مقام ربه ( عن اللّه مقالته ) : « كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه » ( بشرى ) لكل شيء يقرب الحق منه ، وإن كان منعه في التلذذ به حجبه ، ( فكمل العلم ) بغاية قرب الحق بتوارد الأدلة ( في صدور الذين أوتوا العلم ) الكشف بالوهب لا الكسب ، فلا يتزلزل بشبهة ( وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ) ، أي ما ثبت من الكتاب والسنة على هذا القرب ( إِلَّا الْكافِرُونَ [ العنكبوت : 47 ] ) الساترون لظواهرها بالكلية بتأويلات بعيدة وظواهرها قريبة لتأويلاتها . ( فإنهم يسترونها وإن عرفوها ) ببياننا أن تأويلاتها صحيحة قريبة من الظواهر ، ولا حاجة إلى البعد عنها ( حسدا منهم ) أن يكون لنا السبق ، ( ونفاسة ) أي : رغبة في تأييد ما سبقوا إليه ، ( وظلما ) بإقامة التأويل البعيد الذي يأباه اللفظ من غير دليل قطعي على بطلان تأويلاتنا ، بل غايته الفرار من تحديد الحق باعتبار ظهوره بالمحدودات وتلونه بألوانها ، وقد شاهدوا من نور الشمس أنه غير محدود ، ولا ملون في نفسه ، ولا يتحدد ويتلون وراء الزجاجات المتلونة المحدودة ، ولا شكّ أن بهذه الشبهة الواهية لا يمكن أن تتحمل تلك التأويلات البعيدة في النصوص الكثيرة بلا تعارض بينها ، وذلك أنه ( ما رأينا قط ) فيما وصل إلينا ( من عند اللّه في حقه ) باعتباراته وظهوراته الكثيرة سواء كان ( في آية أنزلها أو إخبار عنه أوصله ) على لسان نبيه ( إلينا ) .