علي بن أحمد المهائمي
303
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وفيه إشارة إلى أن إظهار هذه الأسرار لأهلها غير ممنوع بل فيه متابعة النصوص كائنا تلك الآيات والأخبار ( فيما يرجع إليه ) باعتبار ذاته أو صفاته إلّا ( بالتحديد ) ، وإن كان منزها عنه باعتبار استقراره في مقر غيره سواء كان الوارد ( تنزيها ) ، كقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] على ما يأتي بيانه ( أو غير تنزيه ) . وفيه إشارة إلى أنه إذا لم تخل عنه آية التنزيه فغيرها أولى ( أوله ) أي : أول ما يتصور في حقه من التحديد ( العماء ) ، وهو : السحاب الرقيق والمراد حجاب الأسماء والصفات الساتر نور الأحدية « 1 » . [ الّذي ما فوقه هواء ولا تحته هواء ، وكان الحقّ فيه قبل أن يخلق الخلق ، ثمّ ذكر أنّه استوى على العرش ، وهذا أيضا تحديد ، ثمّ ذكر أنّه ينزل إلى السّماء الدّنيا فهذا تحديد ، ثمّ ذكر أنّه في السّماء إله وأنّه في الأرض إله ، وأنّه معنا أينما كنّا ، إلى أن أخبرنا أنّه عيننا ، ونحن محدودون فما وصف نفسه إلّا بالحدّ ، وقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] حدّ أيضا إن أخذنا الكاف زائدة لغير الصّفة ، ومن تميّز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس عين هذا المحدود . فالإطلاق عن التّقييد تقييد ، والمطلق مقيّد بالإطلاق لمن فهم ، وإن جعلنا الكاف للصّفة فقد حدّدناه ، وإن أخذنا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] على نفي المثل تحقّقنا بالمفهوم ، وبالإخبار الصّحيح أنّه عين الأشياء والأشياء محدودة ، وإن اختلفت حدودها ، فهو محدود بحدّ كلّ محدود ؛ فما يحدّ شيء إلّا وهو حدّ للحقّ ، فهو السّاري في مسمّى المخلوقات والمبدعات ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما صحّ الوجود ، فهو عين الوجود ، فهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ هود : 57 ] بذاته ، ولا يؤده حفظ شيء ، فحفظه تعالى للأشياء كلّها حفظه لصورته ، أن يكون الشّيء غير صورته ، ولا يصحّ إلّا هذا ؛ فهو الشّاهد من الشّاهد والمشهود من المشهود ، فالعالم صورته ، وهو روح العالم المدبّر له فهو الإنسان الكبير .
--> ( 1 ) قال القاشاني : العماء هو الحضرة العمائية التي عرفت بأنها هي النفس الرحماني ، والتعين الثاني ، وأنها هي البرزخية الحائلة بكثرتها النسبية بين الوحدة والكثرة الحقيقتين ، كما عرفت ذلك فيما مر من كونها محل تفصيل الحقائق التي كانت في المرتبة الأولى شؤونا مجملة في الوحدة ، فسميت بهذا الاعتبار بالعماء ، وهو الغيم الرقيق ، وذلك لكون هذه الحضرة برزخا حائلا بين إضافة ما في هذه الحضرة من الحقائق إلى الحق ، وإلى الخلق ، كما يحول العماء الذي هو الغيم الرقيق بين الناظر وبين نور الشمس .