علي بن أحمد المهائمي
301
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ثم أشار إلى أن هود عليه السّلام قد غلب فيه ظهور لاحق جدّا فرآه أقرب من كل شيء حتى صارت حكمته أحدية ، فقال : ( واعلم أنه لما أطلعني الحق ) أي : أطلع روحي وقلبي بالبصيرة ، وجواب الشرط « ما كلمني » ، ( وأشهدني ) أي : أشهد نفسي بطريق التمثيل في الحس المشترك عن الخيال « 1 » ( أعيان ) أي : أرواح ( رسله وأنبيائه ) عبّر عن أرواحهم بالأعيان ؛ لأنها لكليتها كالحقائق الصادقة على كثيرين ، وذكر الأنبياء بعد الرسل إشعار بأن الأولين لعظمة نورهم رآهم قبل تمام الكشف . فلما تمّ رأى الباقين ( كلهم ) بسطوع نور الكشف ( البشريين ) لكونهم أكمل من رسل الملائكة والجن على قول من يزعم أن فيهم رسلا منهم مع بعد المناسبة معهم ، فلا يكون وارثا لهم ( من ) لدن ( آدم إلى محمد صلوات اللّه عليهم أجمعين ) احتراز بذلك عن علماء هذه الأمة الذين هم كأنبياء بني إسرائيل ، وهم الأولياء الذين يشبه كشفهم كشف الأنبياء ، فسماهم الشيخ أنبياء الأولياء مجازا ( في مشهد ) أي : عظيم واسع لظهور كلامهم ( أقمت فيه ) أي : لم يكن ذلك عن كشف ، وإخبار مني ب ( قرطبة ) مدينة بالمغرب ، أشار بذلك إلى كونه بعد كمال إشراق نور شمس الأحدية عليه ، فإنّ الشمس إنّما تغرب إلى المغرب بعد كمال إشراقها ( سنة ست وثمانين وخمسمائة ) أشار بذلك إلى أن تصنيف الكتاب كان بعد ذلك بمدة مديدة ازددت فيها كل يوم كمالا ، فاجتمعت تلك الكمالات فيه . ( ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلّا هود عليه السّلام ) لمزيد مناسبته للشيخ رضي اللّه عنه ؛ ( فإنه ) الذي ( أخبرني بسبب جمعيتهم ) ، ولعله بيان كونه وارثا لأسرار علومهم وأحواله ( ورأيته رجلا ضخما ) لعظم شأنه ( في ) العلم والأحوال من كمل ( الرجال حسن الصورة ) لكمال ظهور جمال الحق فيه ، ( لطيف المجاوبة ) لكونه ناطقا بالحق عن الحق ، ( جازما بالأمور ) الحقيقية في نفسه ، ( كاشفا لها ) لقومه ، ( ودليلي ) الذي استدل به ( على ) إثبات ( كشفه لها قوله ) فيما حكاه سبحانه عنه : ( ما مِنْ دَابَّةٍ ) [ هود : 56 ] أي : متحركة تخرج من القوة إلى الفعل ( إِلَّا هُوَ آخِذٌ ) قابض ( بِناصِيَتِها ) رفائقها ( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] ) فيوصلها إلى قربه في صفة الجلال أو الجمال كشف عنه لأمته ليشعرهم بأنه
--> ( 1 ) إن الشهود يتضمن الاطلاع ، لكن الاطلاع ينقسم إلى اطلاع متمكن وغير متمكن ، فالشهود المكرر في قوله : ( أشهدني ) هو ذو التمكين ، والشهود المألوف الدائم هو العاري عن التمكين ، لا كل حي شاهد في الظاهر ، فإذا كرر الحي الشاهد قوله : ( أشهدني ) عن الشهود المتمكن اليقيني ، لكن لا يطلق الشهود والمتمكن إلا عند تمكين المعرفة فليس قوله له : ( أشهدني ) مثل قول القائل : « أوقفني » و « أطلعني » لأن الاطلاع يطلق على تحصر البصر في قريب والدليل على ذلك أن كلما بعد عن البصر ، فإن البصر لا يحكم عليه بحصر أي : لا يحيط به .