علي بن أحمد المهائمي

300

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

لستر اللطف والأسرار إنّما تشاء من النظر في العين ( من ) حيث هو ( الغير ) وكل شيء لا يخلو مما هو عين الحق ، أي : عين إشراق نوره ، ومما هو غيره . ( فالغير ) منكر ، ( يقول : السمع سمع زيد ) لا ترى الذي يرى الأعيان ، ( والعارف ) منكر ، وهو عين إشراق نور الحق عليك ، ( يقول : السمع عين الحقّ ) أي : من تجلياته ، ( وهكذا ما بقي من القوى ) يختلف فيه الغير والعارف ، ( فما كل أحد ) من وجوهك ( عرف الحق ) وإنّما يعرفه ما أشرق عليك من نوره ، إذ لا يحمل عطاياهم إلّا مطاياهم فالعارف يعرف اللطف ، والقرب في الكل والغير يرى القهر والعذاب في البعض ، وهذان الوجهان متفاوتان في كل أحد . ( فتفاضل الناس ) في غلبة ظهور وجه الحق على ظهور وجه الخلق ، وبالعكس في نظر العارف ، وإن صار نظره أحديّا إذ ( تميزت المراتب ) أي : مراتب الحق الواحد باعتبار ظهوره في كل واحد ( فبان ) في نطق ( الفاضل ) الذي غلب فيه ظهور الحق ، ( والمفضول ) الذي غلب فيه ظهور الخلق ، وهكذا يتميز عنده الفحش من غيره ، بأنه من تجلّي الجلال ، وما ليس بفحش بأنه من تجلّي الجمال ، ويتأتّى منه الإنكار بالحق على الحق باعتبار مراتب تجلياته ، ولا يتصور من الكامل أن يظهر فيه الفحش ؛ لأن مرآته مستوية صافية ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . [ واعلم أنّه لمّا أطلعني الحقّ ، وأشهدني أعيان رسله وأنبيائه كلّهم البشريّين من آدم إلى محمّد صلوات اللّه عليهم أجمعين في مشهد أقمت فيه بقرطبة سنة ستّ وثمانين وخمسمائة ، ما كلّمني أحد من تلك الطّائفة إلّا هود عليه السّلام ؛ فإنّه أخبرني بسبب جمعيّتهم ، ورأيته رجلا ضخما في الرّجال حسن الصّورة لطيف المحاورة عارفا بالأمور كاشفا لها ، ودليلي على كشفه لها قوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] ، وأيّ بشارة للخلق أعظم من هذه ؟ ثمّ من امتنان اللّه علينا أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه في القرآن ، ثمّ تمّمها الجامع للكلّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بما أخبر به عن الحقّ بأنّه عين السّمع والبصر واليد والرّجل واللّسان : أيّ هو عين الحواسّ ، والقوى الرّوحانيّة أقرب من الحواس ، فالكتفى بالأبعد المحدود عن الأقرب المجهول الحدّ ، فترجم الحقّ لنا عن نبيّه هود مقالته بشرى لقومه بشرى لنا ، وترجم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن اللّه مقالته بشرى ، فكمل العلم في صدور الّذين أوتوا العلم وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ [ العنكبوت : 47 ] ، فإنّهم يسترونها ، وإن عرفوها حسدا منهم ونفاسة وظلما ، وما رأينا قطّ من عند اللّه في حقّه تعالى في آية أنزلها أو إخبار عنه أوصله إلينا فيما يرجع إليه إلّا بالتّحديد تنزيها كان أو غير تنزيه ، أوّله العماء ] .