علي بن أحمد المهائمي
299
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يقول السّمع سمع زيد ، والعارف يقول السّمع عين الحقّ ، وهكذا ما بقي من القوى والأعضاء ، فما كلّ أحد عرف الحقّ ؛ فتفاضل النّاس وتميّزت المراتب ، فبان الفاضل والمفضول ] . ثم أشار إلى أن هذا العذاب ، وإن كان لطفا في الباطن في نظر أهل الأسرار والكشف ، إلّا أنه لم يظهره تعالى على المعذبين ، فقال : ( إلّا أنه تعالى ) استثناء من قوله : فأخبرهم بما هو أتمّ وأعلى في القرب أي : أنه تعالى وإن أخبرهم بطريق الإشارة فلم يفهمهم تلك الإشارة ، ولم يظهر لهم ذلك اللطف من غيرته عليهم ، حيث آثروا محبة الغير عليه ؛ وذلك لأنه تعالى ( وصف نفسه ) على لسان نبيه عليه السّلام ( بالغيرة ) إذ قال عليه السّلام : ( « إن اللّه يغار ، ومن غيرته حرّم الفواحش » ) « 1 » ؛ لأنها شغل بالغير بالكلية بحيث يحتجب ذلك العبد عن الحق بالكلية ، فيحجبه الحق عن لطفه الكائن في تجليه الجلالي . ثم استشعر سؤالا بأنه كيف يتصور الفواحش في نفس الأمر مع أن الكل من تجليات الحق ؟ وكيف يتصور المنع من التجليات ؟ وكيف يمنع المحب من طلب تجلّي المحبوب ؟ فأجاب بقوله : ( وليس الفحش إلا ما ظهر ) أي : لا فحش في نفس التجلي ، وإنّما هو فيما ظهر بالتجلي من الصورة المعوجة بحسب اعوجاج الصورة الحاصل منها تسوية المرآة ، والمحبوب لا يمنع من تجلّي المحب ، بل ينتقل من تجل إلى تجل آخر . ثم استشعر سؤالا بأن هذا ينفي الفحش في الباطن ، وقد قال تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأعراف : 33 ] . فأجاب بقوله : ( وأما فحش ما بطن فهو لمن يظهر ) بالألطاف المخفية في الفواحش الظاهرة بأن يقول الواقف عليها لقاصري الأفهام : الكل من تجليات الحق أو عين الحق أو لطف الحق كامن فيها ، فيوهم جواز دعوى الربوبية لهم أو إباحة الكل من غير تفرقة بين الفواحش الظاهرة وغيرها ، فتحريم تلك الفواحش الظاهرة يستلزم إظهار ذلك للقاصرين . ( فلما حرّم الفواحش ) الظاهرة حرّم هذه الفواحش الباطنة ، فالجزاء محذوف بقرينة تفسيره ( أي منع أن تعرف ) أحد من قاصري الأفهام ( حقيقة ما ذكرنا ، وهي ) أي : وتلك الحقيقة أي : ( عين الأشياء ) ، وأنّ الكل تجلياته لما في ذلك من الإيهام المذكور المؤدي إلى الخروج عن ربقة الإسلام بالكلية ( فسترها ) أي : تلك الحقيقة بالغيرة التي فيه كما ستر ألطافه عن المعذبين ( بالغيرة ) عليهم إذ لا تظهر الأسرار للأغيار ، ( وهو ) أي : الساتر في الأصل بالغيرة ( أنت ) ؛ لأن الأصل في الحق أن يظهر باللطف لسبق رحمته غضبه ، فالموجب
--> ( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في « المصنف » ( 3 / 467 ) ، والبيهقي في « السنن الكبرى » ( 10 / 225 ) .