علي بن أحمد المهائمي

296

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( عرف الأمر ) أي : أمر السلوك ( على ما هو عليه فإن فيه جلّ وعلا يسلك ويسافر ) ؛ لأنه عين الطريق ( فهو ) أيضا ( عين السالك والمسافر ) فيسلك في اللّه باللّه كالفطرة الواقعة في البحر تسافر فيه به من إحدى جانبيه إلى الآخر ، فتتم الأحدية لهذا العارف ( لا عالم ) بالطريق والمقصد ( إلّا هو ) بهذا الاعتبار ، ( فمن أنت ؟ ) من حيث إنك عارف لست غير الحق ، أي : غير صورته الظاهرة في عينك . ( فاعرف حقيقتك ) التي هي مقصدك من السلوك وبها تحققك ( وطريقتك ) فإنهما عين الحق ، أي : من صوره الظاهرة في مراتبه ، فقد علم أن السالك والعارف والطريق والمقصد عين الحق بهذا الاعتياد ، ( فقد بان لك الأمر ) أي : أمر الأشياء المذكورة ( على لسان الترجمان ) ، وهو قوله عليه السّلام حكاية عن اللّه تعالى : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » « 1 » . ولسان الرحمن أولى بذلك ( فهو لسان حق ) ولا يفهم من الحق كلامه سواه ، ( فلا يفهمه إلّا من فهمه حق ) ، وإنّما صحّ في حقه أن يكون الطريق والسالك والمقصد والعالم والرحمن واللسان والفهم لكثرة نسبه واختلاف وجوهه ، ( فإن للحق نسبا كثيرة ) أدلة إلى كل موجود نسبة وحدتها ( ووجوها مختلفة ) ظهرت له في مراياها ، وتختلف وجوهه باختلاف ظنون عبيده به ، بل قد يظهر له وجوه مختلفة في أمر واحد كما في عذاب قوم هود له لطف خفي بحسب ظنونهم به ، وإن لم يظهر لهم أصلا . [ ألا ترى عادا قوم هود كيف قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فظنّوا خيرا باللّه وهو عند ظنّ عبده به ، فأضرب لهم الحقّ عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتمّ وأعلى في القرب ، فإنّه إذا أمطرهم فذلك حظّ الأرض وسقي الحبّة فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلّا عن بعد ، فقال لهم : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ [ الأحقاف : 24 ] ، فجعل الرّيح إشارة إلى ما فيها من الرّاحة لهم ؛ فإنّ بهذه الرّيح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة والسّدف المدلهمّة ، وفي هذه الرّيح عذاب أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه إلّا أنّه يوجعهم لفرقة المألوف ، فباشرهم العذاب فكان الأمر إليهم أقرب مما تخيّلوه ، فدمّرت كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [ الأحقاف : 25 ] ، وهي جثثهم الّتي عمّرتها أرواحهم الحقّيّة ، فزالت حقّيّة هذه النّسب الخاصّة وبقيت على هياكلهم الحياة الخاصّة بهم من الحقّ الّتي تنطق بها الجلود والأيدي والأرجل وعذبات الأسواط والأفخاذ ، وقد ورد النّصّ الإلهيّ بهذا كلّه ] .

--> ( 1 ) سبق تخريجه .