علي بن أحمد المهائمي

297

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وإليه الإشارة بقوله : ( ألا ترى عادا قوم هود ) احترز به عن عاد أرم ذات العماد ( كيف قالوا : فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ) [ الأحقاف : 24 ] أي : سحابا متوجها إلى أوديتهم ، هذا عارض ممطرنا ( فظنوا خيرا باللّه ) أنه يمطرهم ، وينبت لهم زروعهم ، ويسقي بساتينهم ، فيحصل لهم بذلك غذاؤهم ( وهو عند ظن عبده به ) كما ورد في الحديث القدسي : « أنا عند ظن عبدي بي » « 1 » ؛ فعمل معهم من لطف التقريب من الحضرة الجلالية من غير إظهاره لهم ، إذ كان في صورة العذاب أجلّ مما توقعوه منه بعد مدة ، ( فأضرب لهم الحق عن هذا القول ) بقوله : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ [ الأحقاف : 24 ] ( فأخبرهم ) بطريق الإشارة من قوله : مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ( بما هو أتم وأعلى في القرب ) ، أما كونه أتم فلما فيه من رفع الحجب الجسمانية المظهرة لقرب الحق من كل أحد بأنه أقرب من حبل الوريد ، وأما كونه أعلى فلكونه من قبيل التجليات ولو جلالية موحية للعمى بعد كشف الغطاء ، وما توقعوه موجب لإرخاء الحجب وزيادتها ، وما فيه من التجليات المطلوبة لا يحصل إلّا بعد مدة مديدة . ( فإنه إذا أمطرهم فذلك حظ الأرض وسقي الحبة ) أولا ثم يحصل بعد مدة مديدة من ذلك الرفع ، ( فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلّا عن بعد ) « 2 » فضلا عما تنتجه تلك النتيجة من قرب الحق بوجه ما من الجمال في الظاهر مع أنه عني الجلال في الباطن ( فقال لهم : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ) ، وهو وإن كان عذابا في الظاهر إلّا أن أعيانهم إنّما طلبوا بذلك أن يتقربوا من حضرة الحق ولو من حيث الجلال ريح فيها عذاب أليم ، فجعل ظاهره ريحا معذبة . وأشار إلى ما فيه من لطف التقريب من حضرته الجلالية بما يفهم من الريح والعذاب بطريق الاشتقاق البعيد ، ولكنه أشار لأهل الأسرار لا للأشرار من طغاة الكفار ، ( فجعل الريح ) ، وإن كانت مدمرة لكل شيء بأمر ربها ( إشارة ) باعتبار ما تضمنت من لطف التقريب من الحضرة الجلالية ( إلى ما فيها من الراحة لهم ) عن الحجب الظلمانية ، وإن رجعت عليهم حجب الأعمال والاعتقادات الفاسدة ، ( فإن بهذه الريح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة ) المانعة عن رؤية الحق من كل وجه ، ( والمسالك الوعرة ) التي بها يتعوقون عن الوصول إلى مطالب أصلية لأعيانهم من التقريب إلى الحق بأي وجه كان ، ( والسدف ) أي : الحجب ( المدلهمة ) أي : المسودة للقلوب والأرواح بحيث لو سدّ عنهم العذاب لازدادوا ظلمة ، فكان العذاب أزيد عليهم بما يكون على الحالة التي ( جاءهم

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2694 ) ، ومسلم ( 4 / 2061 ) . ( 2 ) وفي النسخة المقروءة على الشيخ ( فلا ) ، [ جامي ص 252 ] .