علي بن أحمد المهائمي

289

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

مستقيم إلّا هذا الفنّ الخاصّ من علوم الأذواق ، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ [ مريم : 86 ] وهم الّذين استحقّوا المقام الّذي ساقهم إليه بريح الدّبور الّتي أهلكم عن نفوسهم بها ، فهو يأخذ بنواصيهم والرّيح تسوقهم ، وهي عين الأهواء الّتي كانوا عليها إلى جهنّم ، وهي البعد الّذي كانوا يتوهّمونه . فلما ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب فزال البعد فزال مسمى جهنّم في حقّهم ، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق ؛ لأنّهم مجرمون ، فما أعطاهم هذا المقام الذّوقيّ اللّذيذ من جهة المنّة ، وإنّما أخذوه بما استحقّته حقائقهم من أعمالهم الّتي كانوا عليها ، وكانوا في السّعي في أعمالهم على صراط الرّبّ المستقيم ؛ لأنّ نواصيهم كانت بيد من له هذه الصّفة ، فما مشوا بنفوسهم وإنّما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب ] . ثم أشار إلى أنه كما يختفي عند تجليه في الصور يختفي عند تجليه في المشاعر ، ولو من الكمّل الذين يقال لمشاعرهم كأنها عين الحق ؛ فقال : ( واعلم أن العلوم الإلهية ) أي : المتعلقة بذاته وصفاته وأفعاله ( الذوقية ) فضلا عن علم الكلام ( الحاصلة لأهل اللّه ) فضلا عما يحصل للمرتاضين من غير أهل الملة كالإشراقين ( مختلفة باختلاف القوى الحاصلة ) تلك العلوم ( منها مع كونها ) أي : كون تلك العلوم ( ترجع إلى ) تجلي ( عين واحدة ) على تلك القوى بحيث صارت كأنها هي تلك العين . ( فإن اللّه تعالى يقول ) فيما حكى عنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ( كنت سمعه الّذي يسمع به ، وبصره الّذي يبصر به ، ويده الّتي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » « 1 » ) ، ( فذكر ) للإشارة إلى رجوعها إلى عين واحدة ( أن هويته ) باعتبار تجلي أحدية الأفعال ، كأنها ( هي عين الجوارح التي هي عين العبد فالهوية ) أي : هوية العبد ( واحدة والجوارح مختلفة ) كذلك هوية الحق واحدة وتجلياته للمتجلي له الواحد بل للكل واحدة ، ولكن ( لكل جارحة علم من علوم الأذواق يخصها ) . وإن كان علم الأذواق كلها ليس من مقتضى الجارحة من حيث هي جارحة بل حصل له ( من عين واحدة ) تنورت تلك الجارحة بها لكنه ( تختلف باختلاف الجوارح ) مثل اختلاف العلوم الجزئية الحاصلة لتلك الجوارح إذ غاية ما أفاد التنور بنور الحق استعدادها للكليات ، ولم يرفع حقائقها المقتضية للاختلافات بالكلية ، ولا يتعد هذا الاختلاف في العلم الذوقي الكشفي الواجب مطابقته للواقع ؛ فإنه ( كالماء حقيقة واحدة

--> ( 1 ) سبق تخريجه .