علي بن أحمد المهائمي

273

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [ الفرقان : 45 ] ، أي : يكون فيه بالقوّة ، يقول ما كان الحقّ ليتجلّى للممكنات حتّى يظهر الظّلّ فيكون كما بقي من الممكنات الّتي ما ظهر لها عين في الوجود ، ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [ الفرقان : 45 ] ، وهو اسم النّور الّذي قلناه ويشهد له الحسّ فإنّ الظّلال لا يكون لها عين بعدم النّور ، ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً [ الفرقان : 46 ] ، وإنّما قبضه إليه لأنّه ظلّه ظهر وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] ؛ فهو هو لا غيره ، فكلّ ما ندركه فهو وجود الحقّ في أعيان الممكنات ، فمن حيث هويّة الحقّ هو وجوده ، ومن حيث اختلاف الصّور فيه هو أعيان الممكنات فكما لا يزول عنه باختلاف الصّور اسم الظّلّ ] . ( فما يعلم ) شيء ( من ) حقائق ( العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال ) الوجودية الدالة على تلك الحقائق ؛ ولذلك صعب على العقول تحديد الأشياء غاية الصعوبة مع أن هذه الظلال ممتدة على تلك الأعيان قريبة منها ، ( ويجهل من الحق ) بالنظر في هذه الظلال الوجودية البعيدة المناسبة للحق أكثر مما يجهل من حقائق العالم ، إذ ذلك ( على قدر ما يجهل ) عند النظر في الظلال المتعارفة ( من الشخص الذي عنه كان ذلك الظل ) لجامع بعد المناسبة الموجبة للخفاء ، وهو مع ذلك دال على موجب للجلاء ( فمن حيث هو ) : أي ( هذا الظل ( ظل له ) واجب النسبة إليه ، ( يعلم ) الحق لتوقف معرفة النسبة على معرفة المنتسبين ( ومن حيث ما يجهل ما ) خفي ( في ذات ذلك الظل ) أي : نفس الظل العرفي ( من صورة شخص من امتد عنه ) الظل ، فإن كل ظل وإن كان متشكلا بوجه ما تشكل شخصه ؛ لكن يخفي فيه تمام صورته ، بحيث لا يتم تميزه عن غيره بمجرد النظر إليه ، ( يجهل من الحق ) عند النظر في الظل الوجودي ؛ ( فلذلك ) أي : فلأجل أن النظر في الظل لا يفيد تميز صورة الشخص على التمام ، مع أنه يفيد تميزه بوجه ما ( تقول : إن الحق ) بالنظر في العالم وإلا نفس ( معلوم لنا من وجه ، ومجهول لنا من وجه ) ، وإن بلغنا من مراتب المعرفة غايتها ، وحصل لنا من تفاصيل الظلال ما قصرت عنه أنظار أكبر الفحول البزل من النظار . ثم استدل بالقرآن على أن العالم ظل الحق ، وأنه دال عليه ، وأنه إنما يدل عليه بنوره لا بذاته ؛ فقال : ( أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ [ الفرقان : 45 ] ) أي : ظل الوجود على أعيان الكائنات ، إذ الحمل على هذا المعنى أبلغ من الحمل على مد الظل المتعارف على الأرض ، فهو أولى بالقرآن وأنسب بنظم الآية ، ولذلك أورد ما فيها مع ما فيه من الدلالة على ما ذكرنا ، فقال : وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً لا يتحرك منه إلى الأعيان .