علي بن أحمد المهائمي

272

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

بالإخفاء . [ وكذلك أعيان الممكنات ليست نيّرة ؛ لأنّها معدومة ، وإن اتّصفت بالثّبوت لكن لم تتّصف بالوجود إذ الوجود نور ، غير أنّ الأجسام النّيّرة يعطى فيها البعد للحسّ صغرا ، فهذا تأثير آخر للبعد ، فلا يدركها الحسّ إلّا صغيرة الحجم ، وهي في أعيانها كبيرة عن ذلك القدر وأكثر كمّيات ، كما يعلم بالدّليل أنّ الشّمس مثل الأرض في الجرم مائة وستّة وستّين وربعا وثمن مرّة ، وهي في الحسّ على قدر جرم التّرس مثلا ، فهذا أثر البعد أيضا ] . كما قال : ( وكذلك ) أي : مثل البعد بالتأثير في الإخفاء ( أعيان الممكنات ) فإنها في غاية انخفاء ، وإن ظهر فيها الوجود ؛ لأنها ( ليست نيرة ) لا بذاتها ولا بالوجد ؛ ( لأنها معدومة ) والعدم محض ظلمة ، ( وإن اتصفت بالثبوت ) في العلم الأزلي الذي هو نور ، وكذا في الخارج عند تجلى الوجود عليها ؛ ( لكن لم تتصف بالوجود ) والإلزام اتصاف أحد الضدين بالأخر ؛ ( إذ الوجود نور ) ، فلا تتصف به الأعيان التي هي ظلمة من حيث هي معدومة ، وظهور الوجود فيها كظهور الصورة في المرآة لا يجعلها من جنسها ، فللأعيان تأثير بالإخفاء كما للبعد في كل جسم نيرا وغير نير ( غير أن الأجسام النيرة ) لما تعذر تأثير البعد فيها بالتسويد والزرقة لاقتضاء النور فيها الجلاء ، وهو معارض قوي في ذواتها ، ( يعطي فيها البعد في الحس صغرا ) في حجمها فيوجب الإخفاء في مقدارها في النظر . ( وهذا تأثير آخر ) غير التسويد والزرقة ( للبعد ) لا للعين الثابتة ؛ لكنه في الحس فقط ؛ ( فلا يدركها الحس إلا صغيرة الحجم ، وهي في أعيانها كبيرة ) فوق قدرها المحسوس ، ( وذلك لأنها أكبر كميات ) في نفسها والبعد لم يؤثر في نقص تلك الكميات ؛ لأنه إنما يؤثر في الإخفاء ، وهذه الكثرة في الكمية قد تعلم بالحس إذا قرب من ذلك الجسم ، وقد تعلم بالدليل ( كما يعلم بالدليل ) الهندسي ( أن الشمس مثل الأرض في الجرم ) : أي المقدار ( مائة وستة وستين وربعا وثمن مرة وهي في الحس على قدر جرم الترس ) أو أقل . ( فهذا أثر البعد أيضا ) في إخفاء المقدار ، كما أن أثره فيما مرّ في إخفاء الذات بالتسويد والزرقة مع الصغر أيضا ، وإذا عرفت هذا فالظل الوجودي ، وإن دلّ على شيء من وجود الحق ؛ فلابدّ وأن يوجب إخفاء ذاته وإخفاء مقدار عظمته لخفاء الظل في نفسه . [ فما يعلم من العالم إلّا قدر ما يعلم من الظّلال ، ويجهل من الحقّ على قدر ما يجهل من الشّخص الّذي عنه كان ذلك الظّلّ ، فمن حيث هو ظلّ له يعلم ، ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظّلّ من صورة شخص من امتدّ عنه يجهل من الحقّ ؛ فلذلك نقول : إنّ الحقّ معلوم لنا من وجه ، ومجهول لنا من وجه ، أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ